فظلمُ العبادِ شر مكتسبٌ ، لأنَّ الحقَّ فيه لآدميّ مطبوع على الشحِّ ، فلا
يتركُ من حقِّه شيئًا لا سِيَّما مع شدةِ حاجتِهِ يومَ القيامةِ ، فإن الأمَّ تفرحُ يومئذٍ
إذا كانَ لهَا حقٌّ على ولدِهَا لتأخذَ منهُ.
ومع هذا ؛ فالغالبُ أنَّ الظالمَ تُعجَّل له العقوبةُ في الدنيا وإنْ أُمهل ، كما
قالَ - صلى الله عليه وسلم -:
"إن اللَّهَ يُملي للظالم حتَّى إذا أخذَهُ لم يفلتْهُ"ثم تلا:(وكَذَلِكَ أَخْذُ
رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَة إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ).
وذهبَ قوم من أهلِ الحديثِ وغيرُهم إلى أنَّ هذهِ الأعمالَ تُكفِّرُ الكبائرَ.
ومنهُم ابنُ حزمٍ الظاهريُّ ، وإيَّاه عنى ابنُ عبدِ البرِّ في كتابِ"التمهيدِ"بالردِّ
عليه ، وقالَ: قد كنتُ أرغبُ بنفسِي عن الكلامِ في هذا البابِ ، لولا قولُ
ذلكَ القائلِ ، وخشيتُ أن يغترَّ به جاهل ، فينهمِكَ في الموبقاتِ ، اتكالاً على
أنَّها تكفِّرُها الصلواتُ دونَ الندمِ والاستغفارِ والتوبةِ ، واللَّهَ نسألُهُ العصمةَ
والتوفيقَ.
قلتُ: وقد وقعَ مثلُ هذا في كلامِ طائفةٍ من أهلِ الحديثِ في الوضوءِ
ونحوِه ، ووقعَ مثلُه في كلام ابنِ المنذرِ في قيامِ ليلةِ القدرِ ، قالَ: يُرجى لمنْ
قامَهَا أن يغفرَ لهُ جميعُ ذنوبه صغيرُها وكبيرُها ، فإن كان مرادُهم أنَّ مَنْ أتى
بفرائضِ الإسلامِ وهو مُصِرًّ على الكبائرِ تُغفرُ له الكبائرُ قطْعًا ، فهذا باطلٌ
قطعًا ، يُعْلَمُ بالضرورةِ من الدِّينِ بطلانُهُ ، وقد سبقَ قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -
"منْ أساءَ في الإسلام اخِذَ بالأولِ والآخرِ"
يعني: بعملِهِ في الجاهليةِ والإسلامِ ، وهذا
أظهرُ من أن يحتاجَ إلى بيانٍ ، وإن أرادَ هذا القائلُ أن من تركَ الإصرارَ على
الكبائرِ ، وحافظَ على الفرائضِ من غيرِ توبةٍ ولا ندم على ما سلفَ منه.