كُفِّرَتْ ذُنوبُهُ كلُّهَا بذلكَ ، واستدلَّ بظاهرِ قولِهِ: (إِن تَجْتَنِبوا كبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا) .
وقال: السيئاتُ تشملُ الكبائرَ والصغائرَ ، وكما أنَّ الصغائرَ تُكفَّرُ باجتنابِ
الكبائرِ من غيرِ قصدٍ ولا نيّة ، فكذلكَ الكبائرُ ، وقد يستدلُّ لذلكَ بأنَّ اللَّهَ
وعدَ المؤمنينَ والمتقينَ بالمغفرةِ وبتكفيرِ السيِّئاتِ ، وهذا مذكورٌ في غيرِ موضع
من القرآنِ ، وقد صارَ هذا من المتقين ، فإنَّه فعلَ الفرائضَ ، واجتنبَ الكبائرَ ،
واجتنابُ الكبائرِ لا يحتاجُ إلى نيَّةٍ وقصدٍ ، فهذا القولُ يمكنُ أن يُقالَ في
الجملةِ.
والصَّحيحُ قولُ الجمهورِ: إنَّ الكبائرَ لا تُكفَّرُ بدونِ التوبةِ ، لأنَّ التوبةَ
فرضٌ على العبادِ ، وقد قالَ عزَّ وجلَّ: (وَمَن لَّمْ يَتبْ فَأوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) .
وقد فسَّرتِ الصحابةُ كعمرَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ التوبةَ بالندمِ ، ومنهم من
فسرها بالعزمِ على أن لا يعودَ ، وقد رويَ ذلك مرفوعًا من وجهٍ فيه ضعف.
لكن لا يعلمُ مخالفٌ من الصحابةِ في هذا ، وكذلك التابعونَ ومَن بعدَهُم.
كعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ، والحسنِ ، وغيرِهما.
وأما النصوصُ الكثيرةُ المتضمنةُ مغفرةَ الذنوبِ ، وتكفيرَ السيئات للمتقينَ.
كقولِهِ تعالى: (إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكمْ سَيِّئَاتِكُمْ ويغفِرْ لَكُمْ) .
وقولِهِ: (وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يكَفِّرْ عَنْهُ سَيئَاتهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ) .
وقولِهِ: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفَر عَنْهُ سَيئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) .
فإنه لم يُبينْ في هذهِ الآياتِ خصالَ التقوى ، ولا العملَ الصالحَ.
ومن جملةِ ذلكَ: التوبةُ النصوحُ ، فمَنْ لم يتُبْ ، فهو ظالمٌ ، غيرُ متَقٍ.