وقد ذَكَره أبو داودَ في"سننِهِ"تعليقًا مختصرًا ، وذكر فيه: أنه تيمَّمَ.
وأكثرُ العلماءِ: على أن من خافَ من استعمال الماءِ لشدةِ البردِ فإنه يتيمم
ويصلِّي ، جُنبا كان أو مُحْدِدثًا.
واختلفوا: هل يُعِيد أم لا ؟
فمنهُم من قال: لا إعادةَ عليه ، وهو قول الثوريِّ ، والأوْزاعيِّ..
وأبي حنيفةَ ، ومالكٍ ، والحسنِ بنِ صالح ، وأحمدَ في روايةٍ.
ومنهم من قال: عليه الإعادةُ بكلِّ حالٍ سواءٌ كان مسافرًا أو حاضرًا ، وهو
قولُ الشافعيِّ ، وروايةٌ عن أحمدَ.
ومنهم من قالَ: إن كانَ مسافرًا لم يُعِد ، وإن كانَ حاضِرًا أعادَ ، وهو قولٌ
آخرُ للشافعيِّ ، وروايةٌ عن أحمدَ ، وقولُ أبي يوسف ومحمدٍ.
وحكى ابنُ عبدِ البرِّ عن أبي يوسفَ وزُفَرَ: أنه لا يجوزُ للمريضِ في
الحضرِ التيممُ بحالٍ.
وذكرَ أبو بكرٍ الخلاَّلُ من أصحابِنا: أنه لا يجوزُ التيممُ في الحضرِ لشدةِ
البردِ ، وهو مخالفٌ لنصِّ أحمدَ وسائرِ أصحابهِ.
وحكى ابنُ المنذرِ وغيرُه عن الحسنِ وعطاءٍ: أنه إذا وَجَدَ الماءَ اغتسل به وإن
ماتَ ، لأنه واجدٌ للماءِ ، إنما أُمِرَ بالتيمم من لم يجدِ الماءَ.
ونقلَ أبو إسحاق الفزاريُّ في كتابِ"السيرِ"عن سُفيانَ نحوَ ذلك ، وأنه لا
يتيممُ لمجردِ خوفِ البردِ ، وإنما يتيممُ لمرضٍ مخوفٍ ، أو لعدمِ الماءِ.
وينبغي أن يُحمل كلامُ هؤلاءِ على ما إذا لم يخْشَ الموتَ ، بل أمكنهُ
استعمالُ الماء المُسخَّن وإن حصلَ له به بعضُ ضررٍ ، وقد رُوي هذا المعنى
صريحًا عن الحسنِ - أيضًا - وكذلك نقلَ أصحابُ سفيانَ مذهبَهُ في
تصانيفهم ، وحكَوا أن سفيان ذكر أن الناسَ أجمعُوا على ذلكَ.
وقد سبقَ الكلامُ في تفسيرِ الآيةِ ، وأنَّ اللهَ تعالى أذِن في التيمم للمريضِ
وللمسافرِ ولمن لم يجدِ الماءِ من أهلِ الأحداثِ مُطلقًا ، فمن لم يجدِ الماءَ
فالرحْصةُ له محققة.