إذا ندم المحسنُ عندَ الموتِ فكيفُ يكون حالُ المسيء. غايةُ أمنيَّةِ الموتى في
قبورِهم حياةُ ساعةٍ يستدركون فيها ما فاتهم من توبة وعملٍ صالحِ ، وأهلُ
الدنيا يفرِّطون في حياتِهم فتذهبُ أعمارُهم في الغفْلَّةَ ضياعًا ، ومنهم من
يقطَعُها بالمعاصي.
قال بعضُ السلفِ: أصبحتُم في أمنيَّةٍ ناسٍ كثيرٍ ، يعني أنَّ الموتَى كلَّهم
يتمنَّون حياةَ ساعةٍ ، ليتوبوا فيها ويجتهدُوا في الطَّاعةِ ، ولا سبيل لهم إلى
ذلك ، وقد أنشدَ بعضُهُم:
لو قيلَ للقومِ ما مُنَاكُم طلَبُوا ... حياةَ يومٍ ليتوبُوا فاعْلَم
ويْحَكِ يا نَفْسُ ألا تيقُّظٌ ... ينْفَعُ قبلَ أن تزِل قدمِي
مضى الزَّمان في توَانٍ وهَوَى ... فاسْتدْرِكي ما قدْ بقي واغْتنمِي
الناسُ في التوبة على أقسامٍ:
فمنهم: من لا يوفَّقُ لتوبة نصوح ، بل ييسَّر له عملُ السَّيّئات من أوَّل عُمُره
إلى آخره حتى يموتَ مُصِرًّا عليها ، وهذه حالةُ الأشقياء.
وأقبحُ من ذلك من يُسِّر له في أوّلِ عمر عملُ الطاعاتِ ، ثم خُتِمَ له بعملٍ سيِّى حتى ماتَ عليه ، كما في الحديثِ الصحيح:
"إنَ أحدكم ليَعْملُ بعملِ أهلِ الجنةِ ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبقُ عليه الكتابُ فيعمَلُ بعملِ أهلِ النار فيدخُلُها".
وفي الحديثِ الذي خرَّجه أهلُ السننِ:
"إنّ العبدَ ليعْملُ بعملِ أهلِ الجنةِ سبعينَ عامًا ، ثم يحضرُه الموتُ فيجورُ في وصيتِهِ فيدخلُ النارَ".
ما أصعبَ الانتقال من البصرِ إلى العَمَى ، وأصعبُ منه الضلالةُ بعد
الهُدى ، والمعصيةُ بعد التُّقى. كم من وجوهٍ خاشعةٍ وُقِّعَ على قصص أعمالِها: (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ(3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً) ، كم من شارَفَ مركَبُهُ
ساحِلَ النَّجاة ، فلمَّا همَّ أن يرْتَقِي لعِبَ به موْجُ الهوى فغرق.
الخلْقُ كلُّهم تحت هذا الخطرِ. قلوبُ العبادِ بينَ أصبعينِ من أصابع الرحمنِ يُقلِّبها كيف يشاءُ.