مِن قبْل أن تلقِي وليـ ... سَ النأْيُ إلا نأيُ دارِك
وكما قيل:
فهم جِيرةُ الأحياءِ أمَّا مزارُهُم ... فدانٍ وأمَّا المُلْتَقى فبَعيدُ
فالحيُّ قريبٌ ، والميتُ بعيدٌ من الدنيا على قُربه منها ، فإنَّ جسْمَهُ في
الأرضِ يبْلى ورُوحَه عند اللَّهِ تُنَعَّم أو تُعَذَّبُ ، ولقاؤهُ لا يرجى في الدنيا.
كما قيل:
مقيمٌ إلى أن يبعثَ اللَّهُ خلْقَهُ ... لقاؤك لا يُرجَى وأنتَ قريبُ
تزيدُ بِلى في كل يومٍ وليلةٍ ... وتُنْسَى كما تُبْلى وأنتَ حبيبُ
وهذان البيتانِ سمعَهما داودُ الطائيُّ - رحمه اللَّه - من امرأة في مقبرةٍ تَنْدُبُ
بهما ميّتًا لها ، فوقعتا من قلبه موقِعًا ، فاستيقظَ بهما ورَجَع زاهدًا في الدنيا.
راغبًا في الآخرة ، فانقطع إلى العبادةِ إلى أن ماتَ - رحمه اللَّهُ.
فمن تابَ قبل أن يغرغِر ، فقد تاب من قريبٍ ، فتقبَلُ توبتُهُ ورُوي عن ابنِ
عباسٍ ، في قوله تعالى: (يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ) ، قال: قبل المرض
والموت ، وهذا إشارة إلى أن أفضلَ أوقاتِ التوبةِ ، هو أن يبادرَ الإنسانُ بالتوبةِ في صحتِهِ قبل نُزولِ المرضِ به حتَّى يتمكَّن حينئذٍ من العمل الصالح.
ولذلك قَرَنَ اللَّه تعالى التوبةَ بالعملِ الصالح في مواضعَ كثيرة من القرآنِ.
وأيضًا فالتوبةُ في الصحةِ ورجاءِ الحياةِ تُشبهُ الصَّدَقةَ بالمالِ في الصحةِ ورجاءِ
البقاءِ ، والتوبةُ في المرضِ عند حضورِ أماراتِ الموت تشبهُ الصدقةَ بالمالِ عندَ
الموتِ ، فكأنَّ من لا يتوبُ إلا في مرضه قد استفْرغً صِحَتَه وقوَتَه في شهواتِ
نفسه وهواه ولذَّات دنياه ، فإذا أيسَ من الدنيا والحياةِ فيها تابَ حينئذٍ وتركَ ما كانَ عليه ، فأين توبةُ هذا من توبةِ مَنْ يتوبُ من قريبٍ ، وهو صحيحٌ قويٌّ قادرٌ على عملِ المعاصي ، فيتركها خوفًا من اللَّهِ عزَّ وجلَّ ، ورجاءً لثوابه ، وإيثارًا لطاعتِهِ على معصيتِه.