خرَج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ حبانَ في"صحيحِهِ"من حديثِ ابنِ
عمرَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال:
"إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يقبَلُ توبةَ العبدَ ما لم يُغَرْغِر"
وقال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ. دلَّ هذا الحديثُ على قبولِ توبةِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ لعبده ما دامَتْ روحُه في جسدِهِ لم تبلُغ الحُلْقُومَ والتراقي.
وقد دلَّ القرآنُ على مثلِ ذلك أيضًا ، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) ، وعمَلُ السُّوءِ إذا أفرد دَخَل فيه جميعُ السَّيئات ، صغيرُها وكبيرُها ، والمرادُ بالجهالة الإقدامُ على عملِ السُّوء.
وإنْ علِمَ صاحبُه أنه سوء ، فإنَّ كُلَّ من عَصَى اللًّهَ فهو جاهلٌ ، وكُلَّ من أطاعَهُ فهو عالمٌ ، وبيانُهُ من وجهينِ:
أحدُهما: أنَّ من كانَ عالِمًا باللَّهِ تعالى وعظمتِهِ وكبريائِهِ وجلالِهِ ، فإنَّه
يَهَابُهُ ويخشاهُ ، فلا يقعُ منه مع استحضارِ ذلكَ عصيانُه ، كما قال بعضُهم:
لو تفكَّر الناسُ في عظمةِ اللَّه تعالى ما عَصَوهُ ، وقال آخرُ: كفَى بخشيةِ اللَّه
عِلْمًا ، وكَفى بالاغترارِ باللَّهِ جهلاً.
والثاني: أنَّ مَنْ آثرَ المعصيةَ على الطاعةِ فإنَّما حَمَلَهُ على ذلك جهلُه وظنُّه
أنها تنفعُهُ عاجلاً باستعجالِ لذَّتِها ، وإن كان عندهُ إيمان فهو يرجو التخلُّصَ
من سوءِ عاقِبتها بالتوبةِ في آخر عمى ، وهذا جَهْل محْضٌ ، فإنَّه يتعجَّلُ الإثمَ
والخزي ، ويفوتُه عِزُّ التقوى وثوابُها ولذَّةُ الطاعة ، وقد يتمكَّنُ من التوبةِ بعد
ذلك ، وقد يعاجلُهُ الموتُ بغتةً ، فهو كجائع أكلَ طعامًا مسمومًا لدفع جوعه