مقتضى الإعجاز أنه ما من فاصلة قرآنية لا يقتضى لفظها فِي سياقه ، دلالة معنوية لا يؤديها لفظ سواه ، قد نتدبره فنهتدي إلى سرَّه البياني. وقد يغيب نا فنْقرُّ بالقصور عن إدراكه.
ولا يُظَن بي أنني أُهوَّن من قيمة التآلف اللفظي والإيقاع الصوتي لهذا النسق الباهر الذي يجتلي فيه فنيَّة البلاغة ، تؤذي المعنى بأرهف لفظ وأروع تعبير وأجمل إيقاع.
فالبلاغة من حيث هي فن القول ، لا تفصل بين جوهر المعنى وبين أسلوب أدائه ، ولا تعتد بمعان جليلة تقصر الألفاظ عن التعبير البليغ عنها ، كما لا تعتد بألفاظ حميلة تضيع المعنى أو تجور عليه ليسلم لها زخرف بديعي.
وهذا هو الحد الفاصل بين فنية البلاغة كما تجلوها الفواصل القرآنية بدلالتها المعنوية المرهفة ونسقها الفريد فِي إيقاعها الباهر ، وبين ما تقدمه الصنعة البديعية من زخرف لفظي يُكرِه الكلماتِ على أن تجئ فِي غير مواضعها.
فلعل جلال الفواصل القرآنية فِي نسقها الفريد ، يعفينا من لَدَدِ خصومةٍ بين أصحاب اللفظ وأصحاب المعنى ، لا يعرفها ذوق العربية المرهف فِي البيان الأعلى بالكتاب العربي المبين.
{لَا أُقْسِمُ}
ومن الظواهر الأسلوبية اللافتة فِي البيان القرآني ، مجيء فعل القسم بعد"لا النافية"فِي مثل قوله تعالى:
{لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} .
والخلاف قديم فِي تأويل"لا"وتوجيه القسم بعدها.