ونستقرئ مواضع فِعل الإيحاء فِي القرآن كله فلا نراه يتعدى بـ"إلى"إلا حين يكون الموحى إليه من الأحياء. يطرد ذلك فِي كل آيات الإيحاء بإلى ، وعددها سبع وستون آية.
وأما حين يكون الموحي له جماداً ، فالفعل يتعدى باللام كآية الزلزلة ، أو بحرف فِي ، كما فِي آية فُصلت: {وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا}
ودلالة"اللام"الإيحاء المباشر على وجه النسخير ، ودلالة"في"البَثُّ والملابسة. وأما الإيحاء بـ"إلى"فيأخذ دلالته الخاصة فِي المصطلح الدينى للوحي ، إذا كان الموحى إليه من الأنبياء.
وإلى غير الأنبياء ، بشراً أو حيواناً يكون الإيحاء بمعنى الإلهام.
وللجماد بمعنى التسخير ، فلا يكون للأرض فِي آية الزلزة ، عدولاً عن: أوحى إليها ، لمراعاة الفواصل ،
بل التعدية باللام هنا متعينة ، لأن الموحّى إليه جماد ، وقد هدى الاستقراء إلى أن القرآن لا يُعدى الفعل بحرف"إلى"إلا حين يكون الموحي إليه من الأحياء.
وفي التقديم والتأخير ، قالوا برعاية الفاصلة فِي مقل آية الليل:
{إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى}
عدل البيان القرآني فما عما هو مألوف ومتبادر من تقديم الأولى على الآخرة.
وليس القصد إلى رعاية الفاصلة ، هو وحده الذي اقتضى تقديم الآخرة هنا على الأولى. وإنما اقتضاه المعنى أولاً ، فِي سياق البشري والوعيد ، إذ الآخرة خير وأبقى ، وعذابها أكبر وأشد وأخزى ...
وبهذا الملحظ البياني قُدمت الآخرة على الأولى فِي سياق البشري للمصطفى ، عليه الصلاة والسلام ، بآية الضحى:
{وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}
كما قُدمت الآخرة على الأولى فِي سياق الوعيد لفرعون ، بآية النازعات:
{فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى}