والقلب ، وإن جاء فِي القرآن فِي المعنويات كذلك من الاطمئنان والسكينة والرحمة والتآلف والخشوع والوجل والفقه والطهر ، ومع الارتياب والتقلب والخوف والاشمئزاز والقسوة والتكبر والجبروت والزيغ والمرض والإثم والغفلة والعمى ، إلا أن العربية ، لغة القرآن ، لا تستعمل غير القلب فِي الدلالة الأصلية على هذا العضو من الجسم.
وإذن يكون لإيثار الأفئدة على القلوب فِي آية الهُمزَة ، مع الملحظ البلاغي من النسق اللفظي والجرس الصوتي ، مقتضاه المعنوي البياني ، فِي تخليص الأفئدة من حسِ العضوية التي يحتملها لفظ القلوب فيما ألف العرب من لغتهم. ولا نزال نستعمل القلب بمعناه العضوي فِي التشريح والطب وأصناف اللحوم ، ولا نستعمل الفؤاد بهذه الدلالة على الإطلاق.
وكذلك لا تترادف مؤصدة ومغلقة ، ليقال باحتمال العدول عن أولهما إلى الآخرى رعاية للفاصلة.
بل يتميز الإيصاد بخصوصية الدلالة على إحكام الإغلاق وقوة تحصينة ، والعربية استعملت"الوصيد"للبيت الحصين يُتَّخذ من حجارة فِي الجبال ، وتقول: استوصد فِي الجبل ، أي اتخذ فيه حظيرة من حجارة.
ويمثل هذا المعنى من الإيصاد المحكم ، جاءت آية البلد:
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ}
ولا رعاية فيها لفاصلة لفظية ، بل المعنى من إطباق النار على أصحاب المشأمة وإحكام إيصادها ، هو ما تعلق البيان الأعلى ، والله أعلم.
وآية الزلزلة:
{وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} .
قالوا فيها:"وعديّ أوحى باللام ، وإن كان المشهور تعيدتها بإلى ، لمراعاة الفواصل"