"قال أبو عيسى: سَمِعْتُ صَالِحَ بنَ محمدٍ التّرْمِذِيّ قال: سَمِعْتُ أَبَا مُقَاتِلٍ السّمَرْقَنْدِيّ يَقولُ دَخَلْتُ عَلَى أَبي حنِيفَةَ في مَرَضِهِ الّذِي مَاتَ فِيهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضّأَ وَعَلَيْهِ جَوْرَبَانِ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا، ثُمّ قال: فَعَلْتُ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ أَكُنْ أَفْعَلُهُ: مَسَحْتُ عَلَى الْجَوْربَيْنِ وَهُما غَيرُ مُنَعّلَيْنِ".
ـــــــ
هذا قط فمن أين علم جواز المسح على الجوربين غير المجلدين بل يقال إن المسح يتعين على الجوربين المجلدين لا غيرهما. لأنهما في معنى الخف والخف لا يكون إلا من أديم، نعم إن كان الحديث قوليا بأن قال النبي صلى الله عليه وسلم امسحوا على الجوربين لكان يمكن الاستدلال بعمومه على كل أنواع الجورب، وإذ ليس فليس، فإن قلت: لما كان الجورب من الصوف أيضًا احتمل أن الجوربين الذين مسح عليهما النبي صلى الله عليه وسلم كانا من صوف أو قطن إذ لم ببين الراوي، قلت: نعم الاحتمال في كل جانب سواء يحتمل كونهما من صوف وكذا من قطن لكن ترجح الجانب الواحد وهو كونه من أديم لأنه يكون حينئذ في معنى الخف ويجوز المسح عليه قطعًا. وأما المسح على غير الأديم فثبت بالاحتمالات التي لم تطمئن النفس بها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك انتهى كلامه.
قلت: كلامه هذا حسن طيب، لكن فيه أن لقائل أن يقول إن هذا القول لا يثبت إلا بعد أن يثبت أن الجوربين اللذين مسح عليهما النبي صلى الله عليه وسلم كانا مجلدين، ولم يثبت هذا قط فمن أين علم جواز المسح على الجوربين المجلدين. وأما قوله إن الجوربين المجلدين في معنى الخف فلا يجدي نفعًا فإن القائلين بجواز المسح على الجوربين الثخينين فقط يقولون أيضًا إنهما لثخوفتهما وصفاقتهما في معنى الخف فتفكر.
تنبيه: قد استدل بعض مجوزي المسح على الجوربين مطلقًا ثخينا كان أو رقيقًا بما رواه الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن ثور عن راشد بن سعد عن ثوبان قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم شكوا إليه ما أصابهم من البرد فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين. ورواه أبو داود في سننه، وقال قال ابن الأثير في النهاية. العصائب هي العمائم لأن الرأس يعصب بها. والتساخين كل ما يسخن به القدم من خف وجورب ونحوهما. ولا واحد لها من لفظها. قال ورجال هذا الحديث ثقات مرضيون انتهى.