فهرس الكتاب

الصفحة 995 من 4314

و قد بين الله سبحانه أن لا سبب لسلب النعمة إلا الكفر بها ، وهدد الكفور أشد التهديد ، قال تعالى:"ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم": الأنفال: 53 وقال تعالى:"و من يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب": البقرة: 211 وضرب مثلا كليا لنعمه وما يئول إليه أمر الكفر بها فقال و"ضرب الله مثلا قرية كانت ءامنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون": النحل: 121.

فالآية أعني قوله:"اليوم يئس - إلى قوله - دينا"تؤذن بأن دين المسلمين في أمن من جهة الكفار ، مصون من الخطر المتوجه من قبلهم ، وأنه لا يتسرب إليه شيء من طوارق الفساد والهلاك إلا من قبل المسلمين أنفسهم ، وإن ذلك إنما يكون بكفرهم بهذه النعمة التامة ، ورفضهم هذا الدين الكامل المرضي ، ويومئذ يسلبهم الله نعمته ويغيرها إلى النقمة ، ويذيقهم لباس الجوع والخوف ، وقد فعلوا وفعل.

ومن أراد الوقوف على مبلغ صدق هذه الآية في ملحمتها المستفادة من قوله:"فلا تخشوهم واخشون"فعليه أن يتأمل فيما استقر عليه حال العالم الإسلامي اليوم ثم يرجع القهقرى بتحليل الحوادث التاريخية حتى يحصل على أصول القضايا وأعراقها.

ولآيات الولاية في القرآن ارتباط تام بما في هذه الآية من التحذير والإيعاد ولم يحذر الله العباد عن نفسه في كتابه إلا في باب الولاية ، فقال فيها مرة بعد مرة:"و يحذركم الله نفسه": آل عمران: 0382 وتعقيب هذا البحث أزيد من هذا خروج عن طور الكتاب.

قوله تعالى:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا"الإكمال والإتمام متقاربا المعنى ، قال الراغب: كمال الشيء حصول ما هو الغرض منه.

وقال: تمام الشيء انتهاؤه إلى حد لا يحتاج إلى شيء خارج عنه.

والناقص ما يحتاج إلى شيء خارج عنه.

ولك أن تحصل على تشخيص معنى اللفظين من طريق آخر ، وهو أن آثار الأشياء التي لها آثار على ضربين.

فضرب منها ما يترتب على الشيء عند وجود جميع أجزائه - إن كان له أجزاء - بحيث لو فقد شيئا من أجزائه أو شرائطه لم يترتب عليه ذلك الأمر كالصوم فإنه يفسد إذا أخل بالإمساك في بعض النهار ، ويسمى كون الشيء على هذا الوصف بالتمام ، قال تعالى:"ثم أتموا الصيام إلى الليل": البقرة: 178 وقال:"و تمت كلمة ربك صدقا وعدلا": الأنعام: 151.

وضرب آخر: الأثر الذي يترتب على الشيء من غير توقف على حصول جميع أجزائه ، بل أثر المجموع كمجموع آثار الأجزاء ، فكلما وجد جزء ترتب عليه من الأثر ما هو بحسبه ، ولو وجد الجميع ترتب عليه كل الأثر المطلوب منه ، قال تعالى:"فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة": البقرة: 169 وقال:"و لتكملوا العدة": البقرة: 158 فإن هذا العدد يترتب الأثر على بعضه كما يترتب على كله ، ويقال: تم لفلان أمره وكمل عقله: ولا يقال تم عقله وكمل أمره.

وأما الفرق بين الإكمال والتكميل ، وكذا بين الإتمام والتتميم فإنما هو الفرق بين بابي الإفعال والتفعيل ، وهو أن الإفعال بحسب الأصل يدل على الدفعة والتفعيل على التدريج ، وإن كان التوسع الكلامي أو التطور اللغوي ربما يتصرف في البابين بتحويلهما إلى ما يبعد من مجرى المجرد أو من أصلهما كالإحسان والتحسين ، والإصداق والتصديق ، والإمداد والتمديد والإفراط والتفريط ، وغير ذلك ، فإنما هي معان طرأت بحسب خصوصيات الموارد ثم تمكنت في اللفظ بالاستعمال.

وينتج ما تقدم أن قوله:"أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي"يفيد أن المراد بالدين هو مجموع المعارف والأحكام المشرعة وقد أضيف إلى عددها اليوم شيء وإن النعمة أيا ما كانت أمر معنوي واحد كأنه كان ناقصا غير ذي أثر فتمم وترتب عليه الأثر المتوقع منه.

والنعمة بناء نوع وهي ما يلائم طبع الشيء من غير امتناعه منه ، والأشياء وإن كانت بحسب وقوعها في نظام التدبير متصلة مرتبطة متلائما بعضها مع بعض ، وأكثرها أو جميعها نعم إذا أضيفت إلى بعض آخر مفروض كما قال تعالى:"و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها": إبراهيم: 34 وقال:"و أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة": لقمان: 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت