و قوله:"بل لا يخافون الآخرة"إضراب عن قوله:"يريد كل امرىء منهم"إلخ ، والمراد أن اقتراحهم نزول كتاب على كل امرىء منهم قول ظاهري منهم يريدون به صرف الدعوة عن أنفسهم ، والسبب الحقيقي لكفرهم وتكذيبهم بالدعوة أنهم لا يخافون الآخرة ، ولو خافوها لآمنوا ولم يقترحوا آية بعد قيام الحجة بظهور الآيات البينات.
قوله تعالى:"كلا إنه تذكرة"ردع ثان لاقتراحهم نزول كتاب سماوي لكل امرىء منهم ، والمعنى لا ننزل كتابا كذلك أن القرآن تذكرة وموعظة نعظهم به لا نريد به أزيد من ذلك ، وأثر ذلك ما أعد للمطيع والعاصي عندنا من الجزاء.
قوله تعالى:"فمن شاء ذكره"أي فمن شاء اتعظ به فإنما هي دعوة في ظرف الاختيار من غير إكراه.
قوله تعالى:"و ما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة"دفع لما يمكن أن يتوهموه من قوله تعالى:"فمن شاء ذكره"أن الأمر إليهم وأنهم مستقلون في إرادتهم وما يترتب عليها من أفعالهم فإن لم يشاءوا الذكر ولم يذكروا غلبوه تعالى فيما أراد وأعجزوه فيما شاء من ذكرهم.
والمحصل من الدفع أن حكم القدر جاء في أفعالهم كغيرها من الحوادث ، وتذكرهم إن تذكروا وإن كان فعلا اختياريا صادرا عنهم باختيارهم من غير إكراه فالمشية الإلهية متعلقة به بما هو اختياري بمعنى أن الله تعالى يريد بإرادة تكوينية أن يفعل الإنسان الفعل الفلاني بإرادته واختياره فالفعل اختياري ممكن بالنسبة إلى الإنسان وهو بعينه متعلق الإرادة الإلهية ضروري التحقق بالنسبة إليها ولولاها لم يتحقق.
وقوله:"هو أهل التقوى وأهل المغفرة"أي أهل لأن يتقى منه لأن له الولاية المطلقة على كل شيء ، وبيده سعادة الإنسان وشقاوته ، وأهل لأن يغفر لمن اتقاه لأنه غفور رحيم.
والجملة أعني قوله:"هو أهل التقوى وأهل المغفرة"صالحة لتعليل ما تقدم من الدعوة في قوله:"إنه تذكرة فمن شاء ذكره"وهو ظاهر ، ولتعليل قوله:"و ما يذكرون إلا أن يشاء الله"فإن كونه تعالى أهل التقوى وأهل المغفرة لا يتم إلا بكونه ذا إرادة نافذة فيهم سارية في أعمالهم فليسوا بمخلين وما يهوونه وهم معجزون لله بتمردهم واستكبارهم.
في تفسير القمي ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى:"بل يريد كل امرىء منهم - أن يؤتى صحفا منشرة"وذلك أنهم قالوا: يا محمد قد بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يذنب الذنب فيصبح وذنبه مكتوب عند رأسه وكفارته. فنزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: يسألك قومك سنة بني إسرائيل في الذنوب فإن شاءوا فعلنا ذلك بهم وأخذناهم بما كنا نأخذ بني إسرائيل فزعموا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كره ذلك لقومه.
أقول: والقصة لا تلائم لحن الآية والرواية لا تخلو من إيماء إلى ضعف القصة.
وفي الدر المنثور ، أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن السدي عن أبي صالح قال: قالوا: إن كان محمد صادقا فليصبح تحت رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنته من النار فنزلت:"بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة".
أقول: سياق الآيات وما فيها من الردع لا يلائم القصة.
وفيه ، أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد"بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة"قال: إلى فلان بن فلان من رب العالمين يصبح عند رأس كل رجل صحيفة موضوعة يقرؤها.
أقول: ما في الرواية يقبل الانطباق على الرواية السابقة وعلى ما قدمناه من معنى الآية.
وفيه ، أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله تعالى:"بل يريد كل امرىء منهم - أن يؤتى صحفا منشرة"قال: قد قال قائلون من الناس لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إن سرك أن نتابعك فأتنا بكتاب خاصة يأمرنا باتباعك.
أقول: الرواية قابلة التطبيق لما في تفسير الآية من القول بأن الآية في معنى قوله تعالى:"و لن نؤمن لرقيك"الآية وقد تقدم ما فيه.
وفي تفسير القمي ،: في قوله تعالى:"هو أهل التقوى وأهل المغفرة"قال: هو أهل أن يتقى وأهل أن يغفر.