و قد خص قولهم الثاني:"لو أن الله هداني"إلخ بالجواب وأمسك عن جواب قولهم الأول والثالث لأن في الأول حديث استهزائهم بالحق وأهله وفي الثالث تمنيهم للرجوع إلى الدنيا والله سبحانه يزجر هؤلاء يوم القيامة ويمنعهم أن يكلموه ولا يجيب عن كلامهم كما يشير إلى ذلك قوله:"قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون قال اخسئوا فيها ولا تكلمون إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون إني جزيتهم اليوم بما صبروا إنهم هم الفائزون:"المؤمنون: - 111.
قوله تعالى:"و يوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أ ليس في جهنم مثوى للمتكبرين"الكذب على الله هو القول بأن له شريكا وأن له ولدا ومنه البدعة في الدين.
وسواد الوجه آية الذلة وهي جزاء تكبرهم ولذا قال:"أ ليس في جهنم مثوى للمتكبرين".
قوله تعالى:"و ينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون"الظاهر أن مفازة مصدر ميمي بمعنى الفوز وهو الظفر بالمراد ، والباء في"بمفازتهم"للملابسة أو السببية فالفوز الذي يقضيه الله لهم اليوم سبب تنجيتهم.
وقوله:"لا يمسهم"إلخ بيان لتنجيتهم كأنه قيل: ينجيهم لا يمسهم السوء من خارج ولا هم يحزنون في أنفسهم.
وللآية نظر إلى قوله تعالى في ذيل آيات سورة المؤمنون المنقولة آنفا:"إني جزيتهم اليوم بما صبروا إنهم هم الفائزون"فتدبر ولا تغفل.
في المجمع ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: ما في القرآن آية أوسع من:"يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم"الآية: . أقول: ورواه في الدر المنثور ، عن ابن جرير عن ابن سيرين عنه (عليه السلام) ، وستأتي إن شاء الله في تفسير سورة الليل الرواية عنه (عليه السلام) أن قوله تعالى:"و لسوف يعطيك ربك فترضى"أرجى من هذه الآية.
وفي الدر المنثور ، أخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ثوبان قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية"يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم"إلى آخر. الآية فقال رجل: يا رسول الله فمن أشرك"فسكت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال: إلا من أشرك."
أقول: في الرواية شيء فقد تقدم أن مورد الآية هو الشرك وأن الآية مقيدة بالتوبة.
وفيه ، أخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن أبي أيوب الأنصاري قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لو لا أنكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون فيغفر لهم.
أقول: ما في الحديث من المغفرة لا يأبى التقيد بأسباب المغفرة كالتوبة والشفاعة.
وفي الجميع ،: قيل: هذه الآية يعني قوله:"يا عبادي الذين أسرفوا"إلخ نزلت في وحشي قاتل حمزة حين أراد أن يسلم وخاف أن لا تقبل توبته فلما نزلت الآية أسلم فقيل: يا رسول الله هذه له خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : بل للمسلمين عامة.
وعن كتاب سعد السعود ، لابن طاووس نقلا عن تفسير الكلبي: بعث وحشي وجماعة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه ما يمنعنا من دينك إلا أننا سمعناك تقرأ في كتابك أن من يدعو مع الله إلها آخر ويقتل النفس ويزني يلق أثاما ويخلد في العذاب ونحن قد فعلنا ذلك كله فبعث إليهم بقوله تعالى"إلا من تاب وآمن وعمل صالحا"فقالوا: نخاف أن لا نعمل صالحا. فبعث إليهم"إن الله لا يغفر أن يشرك به - ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"فقالوا نخاف أن لا ندخل في المشية. فبعث إليهم"يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم - لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا"فجاءوا وأسلموا. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لوحشي قاتل حمزة: غيب وجهك عني فإني لا أستطيع النظر إليك. قال: فلحق بالشام فمات في الخمر.
أقول: وروي ما يقرب منه في الدر المنثور ، بعدة طرق وفي بعضها أن قوله:"يا عبادي الذين أسرفوا"إلخ نزل فيه كما في خبر المجمع ، السابق ، ويضعفه أن السورة مكية وقد أسلم وحشي بعد الهجرة.
على أن ظاهر الخبر عدم تقيد إطلاق المغفرة في الآية بالتوبة وقد عرفت أن السياق يأباه.