و لا ينافي ذلك أيضا ما يشير إليه كلامه تعالى ويصرح به الأخبار أن ذلك من الأنبياء والأئمة بتسديد من روح القدس فإن النسبة إلى روح القدس كنسبة تسديد المؤمن إلى روح الإيمان ونسبة الضلال والغواية إلى الشيطان وتسويله فإن شيئا من ذلك لا يخرج الفعل عن كونه فعلا صادرا عن فاعله مستندا إلى اختياره وإرادته فافهم ذلك.
نعم هناك قوم زعموا أن الله سبحانه إنما يصرف الإنسان عن المعصية لا من طريق اختياره وإرادته بل من طريق منازعة الأسباب ومغالبتها بخلق إرادة أو إرسال ملك يقاوم إرادة الإنسان فيمنعها عن التأثير أو يغير مجراها ويحرفها إلى غير ما من طبع الإنسان أن يقصده كما يمنع الإنسان القوي الضعيف عما يريده من الفعل بحسب طبعه.
وبعض هؤلاء وإن كانوا من المجبرة لكن الأصل المشترك الذي يبتني عليه نظرهم هذا وأشباهه أنهم يرون أن حاجة الأشياء إلى البارىء الحق سبحانه إنما هي في حدوثها ، وأما في بقائها بعد ما وجدت فلا حاجة لها إليه فهو سبحانه سبب في عرض الأسباب إلا أنه لما كان أقدر وأقوى من كل شيء كان له أن يتصرف في الأشياء حال البقاء أي تصرف شاء من منع أو إطلاق وإحياء أو إماتة ومعافاة أو تمريض وتوسعة أو تقتير إلى غير ذلك بالقهر.
فإذا أراد الله سبحانه أن يصرف عبدا عن شر مثلا أرسل إليه ملكا ينازعه في مقتضى طبعه ويغير مجرى إرادته مثلا عن الشر إلى الخير أو أراد أن يضل عبدا لاستحقاقه ذلك سلط عليه إبليس فحوله من الخير إلى الشر وإن كان ذلك لا بمقدار يوجب الإجبار والاضطرار.
وهذا مدفوع بما نشاهده من أنفسنا في أعمال الخير والشر مشاهدة عيان أنه ليس هناك سبب آخر يغايرنا وينازعنا فيغلب علينا غير أنفسنا التي تعمل أعمالها عن شعور بها وإرادة مترتبة عليه قائمين بها فالذي يثبته السمع والعقل وراء نفوسنا من الأسباب كالملك والشيطان سبب طولي لا عرضي وهو ظاهر.
مضافا إلى أن المعارف القرآنية من التوحيد وما يرجع إليه يدفع هذا القول من أصله ، وقد تقدم شطر وافر من ذلك في تضاعيف الأبحاث السالفة.
في المعاني ، بإسناده عن أبي حمزة الثمالي عن السجاد (عليه السلام) في حديث تقدم صدره في البحث الروائي السابق. قال (عليه السلام) : وكان يوسف من أجمل أهل زمانه فلما راهق يوسف راودته امرأة الملك عن نفسه فقال: معاذ الله إنا أهل بيت لا يزنون فغلقت الأبواب عليها وعليه وقالت: لا تخف وألقت نفسها عليه فأفلت منها هاربا إلى الباب ففتحه فلحقته فجذبت قميصه من خلفه فأخرجته منه فأفلت يوسف منها في ثيابه فالفيا سيدها لدى الباب قالت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم. قال: فهم الملك بيوسف ليعذبه فقال له يوسف: ما أردت بأهلك سوءا بل هي راودتني عن نفسي فسل هذا الصبي أينا راود صاحبه عن نفسه؟ قال: كان عندها من أهلها صبي زائر لها فأنطق الله الصبي لفصل القضاء فقال: أيها الملك انظر إلى قميص يوسف فإن كان مقدودا من قدامه فهو الذي راودها ، وإن كان مقدودا من خلفه فهي التي راودته. فلما سمع الملك كلام الصبي وما اقتصه أفزعه ذلك فزعا شديدا فجيء بالقميص فنظر إليه فلما رآه مقدودا من خلفه قال لها: إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم. وقال ليوسف: أعرض عن هذا ولا يسمعه منك أحد واكتمه. قال: فلم يكتمه يوسف وأذاعه في المدينة حتى قلن نسوة منهن: امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه فبلغها ذلك فأرسلت إليهن ، وهيأت لهن طعاما ومجلسا ثم أتتهن بأترنج وآتت كل واحدة منهن سكينا ثم قالت ليوسف اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن ما قلن يعني النساء فقالت لهن: هذا الذي لمتنني فيه تعني في حبه. وخرجن النسوة من تحتها فأرسلت كل واحدة منهن إلى يوسف سرا من صاحبتها تسأله الزيارة فأبى عليهن وقال: إلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين وصرف الله عنه كيدهن. فلما شاع أمر يوسف وامرأة العزيز والنسوة في مصر بدا للملك بعد ما سمع قول الصبي ليسجنن يوسف فسجنه في السجن ودخل السجن مع يوسف فتيان ، وكان من قصتهما وقصة يوسف ما قصه الله في الكتاب. قال أبو حمزة: ثم انقطع حديث علي بن الحسين (عليهما السلام) .