فهرس الكتاب

الصفحة 505 من 4314

و لا يشك الباحث في مباحث الاقتصاد أن السبب الوحيد في شيوع الشيوعية ، وتقدم مرام الاشتراك هو التراكم الفاحش في الثروة عند أفراد ، وتقدمهم البارز في مزايا الحياة ، وحرمان آخرين وهم الأكثرون من أوجب واجباتهم ، وقد كانت الطبقة المقتدرة غروا هؤلاء الضعفاء بما قرعوا به أسماعهم من ألفاظ المدنية والعدالة والحرية والتساوي في حقوق الإنسانية ، وكانوا يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، ويعنون بها معاني هي في الحقيقة أضداد معانيها ، وكانوا يحسبون أنها يسعدهم في ما يريدونه من الإتراف واستذلال الطبقة السافلة والتعالي عليهم ، والتحكم المطلق بما شاءوا ، وأنها الوسيلة الوحيدة لسعادتهم في الحياة لكنهم لم يلبثوا دون أن صار ما حسبوه لهم عليهم ، ورجع كيدهم ومكرهم إلى أنفسهم ، ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ، وكان عاقبة الذين أساءوا السوآى ، والله سبحانه أعلم بما تصير إليه هذه النشأة الإنسانية في مستقبل أيامها ، ومن مفاسد الربا المشئومة تسهيله الطريق إلى كنز الأموال ، وحبس الألوف والملايين في مخازن البنوك عن الجريان في البيع والشرى ، وجلوس قوم على أريكة البطالة والإتراف ، وحرمان آخرين من المشروع الذي تهدي إليه الفطرة وهو اتكاء الإنسان في حياته على العمل ، فلا يعيش بالعمل عدة لإترافهم ، ولا يعيش به آخرون لحرمانهم.

قال الغزالي في كتاب الشكر من الإحياء: ، من نعم الله تعالى خلق الدراهم والدنانير وبهما قوام الدنيا ، وهما حجران لا منفعة في أعيانهما ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث إن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه وملبسه وسائر حاجاته ، وقد يعجز عما يحتاج إليه ويملك ما يستغني عنه ، كمن يملك الزعفران وهو محتاج إلى جمل يركبه ومن يملك الجمل وربما يستغني عنه ويحتاج إلى الزعفران فلا بد بينهما من معاوضة ، ولا بد في مقدار العوض من تقدير إذ لا يبذل صاحب الجمل جمله بكل مقدار من الزعفران ، ولا مناسبة بين الزعفران والجمل حتى يقال: يعطى مثله في الوزن أو الصورة ، وكذا من يشتري دارا بثياب أو عبدا بخف أو دقيقا بحمار فهذه الأشياء لا تناسب فيها ، فلا يدري أن الجمل كم يسوي بالزعفران فتتعذر المعاملات جدا ، فافتقرت هذه الأعيان المتنافرة المتباعدة إلى متوسط بينهما يحكم فيها بحكم عدل فيعرف من كل واحد رتبته ومنزلته حتى إذا تقررت المراتب ، وترتبت الرتب علم بعد ذلك المساوي من غير المساوي ، فخلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين الأموال حتى تقدر الأموال بهما ، فيقال: هذا الجمل يساوي مائة دينار وهذا المقدار من الزعفران يسوي مائة ، فهما من حيث إنهما متساويان لشيء واحد متساويان ، وإنما أمكن التعديل بالنقدين إذ لا غرض في أعيانهما ، ولو كان في أعيانهما غرض ربما اقتضى خصوص ذلك الغرض في حق صاحب الغرض ترجيحا ولم يقتض ذلك في حق من لا غرض له فلا ينتظم الأمر ، فإذن خلقهما الله تعالى لتتداولهما الأيدي ، ويكونا حاكمين بين الأموال بالعدل.

ولحكمة أخرى وهي: التوسل بهما إلى سائر الأشياء لأنهما عزيزان في أنفسهما ، ولا غرض في أعيانهما ، ونسبتهما إلى سائر الأموال نسبة واحدة ، فمن ملكهما فكأنه ملك كل شيء ، لا كمن ملك ثوبا فإنه لم يملك إلا الثوب ، فلو احتاج إلى طعام ربما لم يرغب صاحب الطعام في الثوب لأن غرضه في دابة مثلا ، فاحتيج إلى شيء آخر هو في صورته كأنه ليس بشيء وهو في معناه كأنه كل الأشياء ، والشيء إنما تستوي نسبته إلى المختلفات إذ لم تكن له صورة خاصة يفيدها بخصوصها ، كالمرآة لا لون لها وتحكي كل لون فكذلك النقد لا غرض فيه وهو وسيلة إلى كل غرض ، وكالحرف لا معنى له في نفسه وتظهر به المعاني في غيره ، فهذه هي الحكمة الثانية.

وفيهما أيضا حكم يطول ذكرها.

ثم قال ما محصله: إنهما لما كانا من نعم الله تعالى من جهة هذه الحكم المترتبة عليهما كان من عمل فيهما بعمل ينافي الحكم المقصودة منهما فقد كفر بنعمة الله.

وفرع على ذلك حرمة كنزهما فإنه ظلم وإبطال لحكمتهما ، إذ كنزهما كحبس الحاكم بين الناس في سجن ومنعه عن الحكم بين الناس وإلقاء الهرج بين الناس من غير وجود من يرجعون إليه بالعدل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت