قوله تعالى:"و لكل أمة أجل"إلى آخر الآية هي حقيقة مستخرجة من قوله تعالى في ذيل القصة:"قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون"نظير الأحكام الآخر المستخرجة منها المذكورة سابقا ، ومفاده أن الأمم والمجتمعات لها أعمار وآجال نظير ما للأفراد من الأعمار والآجال.
وربما استفيد من هذا التفريع والاستخراج أن قوله تعالى في ذيل القصة سابقا:"قال فيها تحيون"إلخ ، راجع إلى حياة كل فرد فرد وكل أمة أمة ، وهي بعض عمر الإنسانية العامة ، وإن قوله قبله:"و لكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين"راجع إلى حياة النوع إلى حين وهو حين الانقراض أو البعث ، وهذا هو عمر الإنسانية العامة في الدنيا.
قوله تعالى:"يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي"إلى آخر الآيتين.
"إما"أصله إن الشرطية دخلت على ما ، وفي شرطها النون الثقيلة ، وكأن ذلك يفيد أن الشرط محقق لا محالة ، والمراد بقص الآيات بيانها وتفصيلها لما فيه من معنى القطع والإبانة عن مكمن الخفاء.
والآية إحدى الخطابات العامة المستخرجة من قصة الجنة المذكورة هاهنا وهي رابعها وآخرها يبين للناس التشريع الإلهي العام للدين باتباع الرسالة وطريق الوحي ، والأصل المستخرج عنه هو مثل قوله في سورة طه:"قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى"إلخ ، فبين أن إتيان الهدى منه إنما يكون بطريق الرسالة.
في الدر المنثور ، أخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله:"قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم"قال: نزلت في الخمس من قريش ومن كان يأخذ مأخذها من قبائل العرب: الأنصار الأوس والخزرج وخزاعة وثقيف وبني عامر بن صعصعة وبطون كنانة بن بكر كانوا لا يأكلون اللحم ، ولا يأتون البيوت إلا من أدبارها ، ولا يضطربون وبرا ولا شعرا إنما يضطربون الأدم ، ويلبسون صبيانهم الرهاط ، وكانوا يطوفون عراة إلا قريشا ، فإذا قدموا طرحوا ثيابهم التي قدموا فيها ، وقالوا: هذه ثيابنا التي تطهرنا إلى ربنا فيها من الذنوب والخطايا ثم قالوا لقريش: من يعيرنا مئزرا؟ فإن لم يجدوا طافوا عراة فإذا فرغوا من طوافهم أخذوا ثيابهم التي كانوا وضعوا.
وفيه ، أخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: كان الناس يطوفون بالبيت عراة يقولون: لا نطوف في ثياب أذنبنا فيها فجاءت امرأة فألقت ثيابها وطافت ووضعت يدها على قبلها وقالت: اليوم يبدو بعضه أو كله. فما بدا منه فلا أحله. فنزلت هذه الآية: خذوا زينتكم عند كل مسجد إلى قوله والطيبات من الرزق.
أقول: وروي ما يقرب منه عن ابن عباس ومجاهد وعطاء لكنك قد عرفت أن الآيات المصدرة بقوله"يا بني آدم"أحكام وشرائع عامة لجميع بني آدم من غير أن يختص بأمة دون أمة فهذه الآحاد من الأخبار لا تزيد على اجتهاد من المنقول عنهم لا حجية فيها ، وأعدل الروايات في هذا المعنى الروايتان الآتيتان.
في الدر المنثور ،: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة فأمرهم الله بالزينة والزينة اللباس وهو ما يواري السوآت وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع.
وفيه ،: أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يحرمون أشياء أحلها الله من الثياب وغيرها وهو قول الله:"قل أ رأيتم ما أنزل الله لكم من رزق - فجعلت منه حراما وحلالا"وهو هذا فأنزل الله:"قل من حرم زينة الله - التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق - قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا"يعني: شارك المسلمون الكفار في الطيبات في الحياة الدنيا فأكلوا من طيبات طعامها ولبسوا من جياد ثيابها ، ونكحوا من صالح نسائها ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا وليس للمشركين فيها شيء.
أقول: والروايتان - كما ترى - ظاهرتان في التطبيق دون سبب النزول ، والمعول على ذلك.
وفيه ،: أخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما من عبد عمل خيرا أو شرا إلا كسي رداء عمله حتى يعرفوه ، وتصديق ذلك في كتاب الله:"و لباس التقوى ذلك خير"الآية.
وفي تفسير العياشي ، عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) : في قوله:"يا بني آدم قد أنزلنا"الآية. لباس التقوى ثياب بيض.