فهرس الكتاب

الصفحة 904 من 4314

و للمفسرين في أمر هذا الاستثناء مذاهب شتى لا يخلو شيء منها من فساد أو تكلف ، فقد قيل: المراد بالفضل والرحمة ما هداهم الله إليه من إيجاب طاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر منهم ، والمراد بالمستثنى هم المؤمنون أولو الفطرة السليمة والقلوب الطاهرة ، ومعنى الآية: ولو لا هذا الذي هداكم الله إليه من وجوب الطاعة ، وإرجاع الأمر إلى الرسول وإلى أولي الأمر لاتبعتم الشيطان جميعا بالوقوع في الضلال إلا قليلا منكم من أهل الفطرة السليمة فإنهم لا يزيغون عن الحق والصلاح.

وفيه أنه تخصيص الفضل والرحمة بحكم خاص من غير دليل يدل عليه ، وهو بعيد من البيان القرآني ، مع أن ظاهر الآية أنه امتنان في أمر ماض منقض.

وقيل ، إن الآية على ظاهرها ، والمؤمنون غير المخلصين يحتاجون إلى فضل ورحمة زائدين وإن كان المخلصون أيضا لا يستغنون عن العناية الإلهية ، وفيه أن الذي يوهمه الظاهر حينئذ مما يجب في بلاغة القرآن دفعه ولم يدفع في الآية.

وقد قال تعالى:"و لو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا": النور: 21 وقال مخاطبا لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو خير الناس:"و لو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات": الإسراء: 75.

وقيل: إن المراد بالفضل والرحمة القرآن والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وقيل: المراد بهما الفتح والظفر ، فيستقيم الاستثناء لأن الأكثرين إنما يثبتون على الحق بما يستطاب به قلوبهم من فتح وظفر وما أشبههما من العنايات الظاهرية الإلهية ، ولا يصبر على مر الحق إلا القليل من المؤمنين الذين هم على بصيرة من أمرهم.

وقيل الاستثناء إنما هو من قوله"أذاعوا به"، وقيل الاستثناء من قوله"الذين يستنبطونه"، . وقيل: إن الاستثناء إنما هو في اللفظ وهو دليل على الجمع والإحاطة فمعنى الآية: ولو لا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان جميعا ، وهذا نظير قوله تعالى"سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله": الأعلى: 7 فاستثناء المشية يفيد عموم الحكم بنفي النسيان ، وجميع هذه الوجوه لا تخلو من تكلف ظاهر.

قوله تعالى:"فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين"، التكليف من الكلفة بمعنى المشقة لما فيه من تحميل المشقة على المكلف ، والتنكيل من النكال ، وهو على ما في المجمع: ، ما يمتنع به من الفساد خوفا من مثله من العذاب فهو عقاب المتخلف لئلا يعود إلى مثله ولعيتبر به غيره من المكلفين.

والفاء في قوله"فقاتل في سبيل الله"، . للتفريع والأمر بالقتال متفرع على المتحصل من مضامين الآيات السابقة.

وهو تثاقل القوم في الخروج إلى العدو وتبطئتهم في ذلك ، ويدل عليه ما يتلوه من الجمل أعني قوله"لا تكلف إلا نفسك"إلخ فإن المعنى: فإذا كانوا يتثاقلون في أمر الجهاد ويكرهون القتال فقاتل أنت يا رسول الله بنفسك ، ولا يشق عليك تثاقلهم ومخالفتهم لأمر الله سبحانه فإن تكليف غيرك لا يتوجه إليك ، وإنما يتوجه إليك تكليف نفسك لا تكليفهم ، وإنما عليك في غيرك أن تحرضهم فقاتل وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا. وقوله"لا تكلف إلا نفسك"أي لا تكلف أنت شيئا إلا عمل نفسك فالاستثناء بتقدير مضاف.

وقوله"عسى الله أن يكف"إلخ قد تقدم أن"عسى"تدل على الرجاء أعم من أن يكون ذلك الرجاء قائما بنفس المتكلم أو المخاطب أو بمقام التخاطب فلا حاجة إلى ما ذكروه من أن"عسى"من الله حتم.

وفي الآية دلالة على زيادة تعيير من الله سبحانه للمتثاقلين من الناس حيث أدى تثاقلهم إلى أن أمر الله نبيه بالقيام بالقتال بنفسه ، وأن يعرض عن المتثاقلين ولا يلح عليهم بالإجابة ويخليهم وشأنهم ، ولا يضيق بذلك صدره فليس عليه إلا تكليف نفسه وتحريض المؤمنين أطاع من أطاع ، وعصى من عصى.

في الكافي ، بإسناده عن محمد بن عجلان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الله عير أقواما بالإذاعة في قوله عز وجل:"و إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به"فإياكم والإذاعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت