فهرس الكتاب

الصفحة 2402 من 4314

13 سورة الرعد - 43

وَيَقُولُ الّذِينَ كَفَرُوا لَست مُرْسلًا قُلْ كفَى بِاللّهِ شهِيدَا بَيْنى وَبَيْنَكمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَبِ (43)

الآية خاتمة السورة وتعطف الكلام على ما في مفتتحها من قوله:"و الذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون"وهي كرة ثالثة على منكري حقية كتاب الله يستشهد فيها بأن الله يشهد على الرسالة ومن حصل له العلم بهذا الكتاب يشهد بها.

قوله تعالى:"و يقول الذين كفروا لست مرسلا"إلخ بناء الكلام في السورة على إنكارهم حقية الكتاب وعدم عدهم إياه آية إلهية للرسالة ولذا كانوا يقترحون آية غيره كما حكاه الله تعالى في خلال الآيات مرة بعد مرة وأجاب عنه بما يرد عليهم قولهم فكأنهم لما يئسوا مما اقترحوا أنكروا أصل الرسالة لعدم إذعانهم بما أنزل الله من آية وعدم إجابتهم فيما اقترحوه من آية فكانوا يقولون:"لست مرسلا".

فلقن الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) الحجة عليهم لرسالته بقوله:"قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب"وهو حجة قاطعة وليس بكلام خطابي ولا إحالة إلى ما لا طريق إلى حصول العلم به.

فقوله:"قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم"استشهاد بالله سبحانه وهو ولي أمر الإرسال وإنما هي شهادة تأدية لا شهادة تحمل فقط فإن أمثال قوله تعالى:"إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم"من آيات القرآن وكونه آية معجزة من الله ضروري ، وكونه قولا وكلاما له سبحانه ضروري واشتماله على تصديق الرسالة بدلالة المطابقة المعتمدة على علم ضروري أيضا ضروري ، ولا نعني بشهادة التأدية إلا ذلك.

ومن فسر شهادته تعالى من المفسرين بأنه تعالى قد أظهر على رسالتي من الأدلة والحجج ما فيه غنى عن شهادة شاهد آخر ثم قال: وتسمية ذلك شهادة مع أنه فعل وهي قول من المجاز حيث إنه يغني غناها بل هو أقوى منها.

انتهى.

فقد قصد المطلوب من غير طريقه.

وذلك أن الأدلة والحجج الدالة على حقية رسالته (صلى الله عليه وآله وسلم) إما القرآن وهو الآية المعجزة الخالدة ، وإما غيره من الخوارق والمعجزات وآيات السورة - كما ترى - لا تجيب الكفار على ما اقترحوه من هذا القسم الثاني ولا معنى حينئذ للاستشهاد بما لم يجابوا عليه ، وأما القرآن فمن البين أن الاستناد إليه من جهة أنه معجزة تصدق الرسالة بدلالتها عليها أي كلام له تعالى يشهد بالرسالة ، وإذا كان كذلك فما معنى العدول عن كونه كلاما له تعالى يدل على حقية الرسالة أي شهادة لفظية منه تعالى على ذلك بحقيقة معنى الشهادة إلى كونه دليلا فعليا منه عليها سمي مجازا بالشهادة؟.

على أن كون فعله تعالى أقوى دلالة على ذلك من قوله ممنوع.

فقد تحصل أن معنى قوله:"الله شهيد بيني وبينكم"أن ما وقع في القرآن من تصديق الرسالة شهادة إلهية بذلك.

وأما جعل الشهادة شهادة تحمل ففيه إفساد المعنى من أصله وأي معنى لإرجاع أمر متنازع فيه إلى علم الله واتخاذ ذلك حجة على الخصم ولا سبيل له إلى ما في علم الله في أمره؟ أ هو كما يقول أو فرية يفتريها على الله؟.

وقوله:"و من عنده علم الكتاب"أي وكفى بمن عنده علم الكتاب شهيدا بيني وبينكم ، وقد ذكر بعضهم أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ ويتعين على هذا أن يكون المراد بالموصول هو الله سبحانه فكأنه قيل: كفى بالله الذي عنده علم الكتاب شهيدا"إلخ".

وفيه أولا أنه خلاف ظاهر العطف ، وثانيا أنه من عطف الذات مع صفته إلى نفس الذات وهو قبيح غير جائز في الفصيح ولذلك ترى الزمخشري لما نقل في الكشاف ، هذا القول عن الحسن بقوله: وعن الحسن:"لا والله ما يعني إلا الله"قال بعده: والمعنى كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح إلا هو شهيدا بيني وبينكم.

انتهى فاحتال إلى تصحيحه بتبديل لفظة الجلالة"الله"من"الذي يستحق العبادة"وتبديل"من"من"الذي"ليعود المعطوف والمعطوف عليه وصفين فيكون في معنى عطف أحد وصفي الذات على الآخر وإناطة الحكم بالذات بما له من الوصفين كدخالتهما فيه فافهم ذلك.

لكن من المعلوم أن تبديل لفظ من لفظ يستقيم إفادته لمعنى لا يوجب استقامة ذلك في اللفظ الأول وإلا لبطلت أحكام الألفاظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت