فهرس الكتاب

الصفحة 4170 من 4314

و من المعلوم بالضرورة من بيانات الكتاب والسنة أن نظام الحياة في جميع شئونها في الآخرة غير نظامها في الدنيا فالدار الآخرة دار أبدية فيها محض السعادة لساكنيها لهم فيها ما يشاءون أو محض الشقاء وليس لهم فيها إلا ما يكرهون والدار الدنيا دار فناء وزوال لا يحكم فيها إلا الأسباب والعوامل الخارجية الظاهرية مخلوط فيها الموت بالحياة ، والفقدان بالوجدان ، والشقاء بالسعادة ، والتعب بالراحة ، والمساءة بالسرور ، والآخرة دار جزاء ولا عمل والدنيا دار عمل ولا جزاء ، وبالجملة النشأة غير النشأة.

فتعريفه تعالى نشأة البعث والجزاء بأشراطها التي فيها انطواء بساط الدنيا بخراب بنيان أرضها وانتساف جبالها وانشقاق سمائها وانطماس نجومها إلى غير ذلك من قبيل تحديد نشأة بسقوط النظام الحاكم في نشأة أخرى قال تعالى:"و لقد علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون": الواقعة: 62.

فقوله:"فإذا النجوم طمست"أي محي أثرها من النور وغيره ، والطمس إزالة الأثر بالمحو قال تعالى:"و إذا النجوم انكدرت": التكوير: 2.

وقوله:"و إذا السماء فرجت"أي انشقت ، والفرج والفرجة الشق بين الشيئين قال تعالى:"إذا السماء انشقت": الانشقاق: 1.

وقوله:"و إذا الجبال نسفت"أي قلعت وأزيلت من قولهم: نسفت الريح الشيء أي اقتلعته وأزالته قال تعالى:"و يسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا": طه: 105.

وقوله:"و إذا الرسل أقتت"أي عين لها الوقت الذي تحضر فيه للشهادة على الأمم أو بلغت الوقت الذي تنتظره لأداء شهادتها على الأمم من التأقيت بمعنى التوقيت ، قال تعالى:"فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين": الأعراف: 6 ، وقال:"يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم": المائدة: 109.

قوله تعالى:"لأي يوم أجلت - إلى قوله: - للمكذبين"الأجل المدة المضروبة للشيء ، والتأجيل جعل الأجل للشيء ، ويستعمل في لازمه وهو التأخير كقولهم: دين مؤجل أي له مدة بخلاف الحال وهذا المعنى هو الأنسب للآية ، والضمير في"أجلت"للأمور المذكورة قبلا من طمس النجوم وفرج السماء ونسف الجبال وتأقيت الرسل ، والمعنى لأي يوم أخرت يوم أخرت هذه الأمور.

واحتمل أن يكون"أجلت"بمعنى ضرب الأجل للشيء وأن يكون الضمير المقدر فيه راجعا إلى الرسل ، أو إلى ما يشعر به الكلام من الأمور المتعلقة بالرسل مما أخبروا به من أحوال الآخرة وأهوالها وتعذيب الكافرين وتنعيم المؤمنين فيها ، ولا يخلو كل ذلك من خفاء.

وقد سيقت الآية والتي بعدها أعني قوله:"لأي يوم أجلت ليوم الفصل"في صورة الاستفهام وجوابه للتعظيم والتهويل والتعجيب وأصل المعنى أخرت هذه الأمور ليوم الفصل.

وهذا النوع من الجمل الاستفهامية في معنى تقدير القول ، والمعنى أن من عظمة هذا اليوم وهوله وكونه عجبا أنه يسأل فيقال: لأي يوم أخرت هذه الأمور العظيمة الهائلة العجيبة فيجاب: ليوم الفصل.

وقوله:"ليوم الفصل"هو يوم الجزاء الذي فيه فصل القضاء قال تعالى:"إن الله يفصل بينهم يوم القيامة": الحج: 17.

وقوله:"و ما أدراك ما يوم الفصل"تعظيم لليوم وتفخيم لأمره.

وقوله:"ويل يومئذ للمكذبين"الويل الهلاك ، والمراد بالمكذبين المكذبون بيوم الفصل الذي فيه ما يوعدون فإن الآيات مسوقة لبيان وقوعه وقد أقسم على أنه واقع.

وفي الآية دعاء على المكذبين ، وقد استغنى به عن ذكر جواب إذا في قوله:"فإذا النجوم طمست"إلخ والتقدير فإذا كان كذا وكذا وقع ما توعدون من العذاب على التكذيب أو التقدير فإذا كان كذا وكذا كان يوم الفصل وهلك المكذبون به.

في الخصال ، عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: أسرع الشيب إليك يا رسول الله قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون.

وفي الدر المنثور ، أخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه عن ابن مسعود قال: بينما نحن مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غار بمنى إذ نزلت عليه سورة والمرسلات عرفا فإنه يتلوها وإني لألقاها من فيه وإن فاه لرطب بها إذ وثبت عليه حية فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : اقتلوها فابتدرناها فذهبت فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقيت شركم كما وقيتم شرها.

أقول: ورواها أيضا بطريقين آخرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت