و أما إن ذيل هذا الاختلاف منسحب إلى زمان الصحابة بعد الرحلة فالمعتمد من التاريخ والمستفيض أو المتواتر من الأخبار يدل على أن الصحابة أنفسهم كان يعامل بعضهم مع بعض في الفتن والاختلافات الواقعة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه المعاملة ، من غير أن يستثنوا أنفسهم من ذلك استنادا إلى عصمة أو بشارة أو اجتهاد أو استثناء من الله ورسوله ، والزائد على هذا المقدار من البحث لا يناسب وضع هذا الكتاب.
وفي أمالي المفيد ، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لم يزل الله جل اسمه عالما بذاته ولا معلوم ، ولم يزل قادرا بذاته ولا مقدور ، قلت: جعلت فداك فلم يزل متكلما؟ قال: الكلام محدث ، كان الله عز وجل وليس بمتكلم ثم أحدث الكلام.
وفي الإحتجاج ، عن صفوان بن يحيى ، قال: سأل أبو قرة المحدث عن الرضا (عليه السلام) فقال: أخبرني جعلت فداك عن كلام الله لموسى فقال: الله أعلم بأي لسان كلمه بالسريانية أم بالعبرانية فأخذ أبو قرة بلسانه فقال: إنما أسألك عن هذا اللسان فقال أبو الحسن (عليه السلام) : سبحان الله عما تقول ومعاذ الله أن يشبه خلقه أو يتكلم بمثل ما هم متكلمون ولكنه سبحانه ليس كمثله شيء ولا كمثله قائل فاعل ، قال: كيف؟ قال: كلام الخالق لمخلوق ليس ككلام المخلوق ، لمخلوق ولا يلفظ بشق فم ولسان ، ولكن يقول له كن فكان ، بمشيته ما خاطب به موسى من الأمر والنهي من غير تردد في نفس الخبر.
وفي نهج البلاغة ، في خطبة له (عليه السلام) : متكلم لا بروية ، مريد لا بهمة ، الخطبة.
وفي النهج ، أيضا في خطبة له (عليه السلام) : الذي كلم موسى تكليما ، وأراه من آياته عظيما ، بلا جوارح ولا أدوات ولا نطق ولا لهوات ، الخطبة.
أقول: والأخبار المروية عن أئمة أهل البيت في هذا المعنى كثيرة ، وهي مطبقة على أن كلامه تعالى الذي يسميه الكتاب والسنة كلاما صفة فعل لا صفة ذات.
ذكر الحكماء: أن ما يسمى عند الناس قولا وكلاما وهو نقل الإنسان المتكلم ما في ذهنه من المعنى بواسطة أصوات مؤلفة موضوعة لمعنى فإذا قرع سمع المخاطب أو السامع نقل المعنى الموضوع له الذي في ذهن المتكلم إلى ذهن المخاطب أو السامع ، فحصل بذلك الغرض منه وهو التفهيم والتفهم ، قالوا: وحقيقة الكلام متقومة بما يدل على معنى خفي مضمر ، وأما بقية الخصوصيات ككونه بالصوت الحادث في صدر الإنسان ومروره من طريق الحنجرة واعتماده على مقاطع الفم وكونه بحيث يقبل أن يقع مسموعا لا أزيد عددا أو أقل مما ركبت عليه أسماعنا فهذه خصوصيات تابعة للمصاديق وليست بدخيلة في حقيقة المعنى الذي يتقوم بها الكلام.
فالكلام اللفظي الموضوع الدال على ما في الضمير كلام ، وكذا الإشارة الوافية لإراءة المعنى كلام كما أن إشارتك بيدك: أن اقعد أو تعال ونحو ذلك أمر وقول ، وكذا الوجودات الخارجية لما كانت معلولة لعللها ، ووجود المعلول لمسانخته وجود علته وكونه رابطا متنزلا له يحكي بوجوده وجود علته ، ويدل بذاته على خصوصيات ذات علته الكاملة في نفسها لو لا دلالة المعلول عليها.
فكل معلول بخصوصيات وجوده كلام لعلته تتكلم به عن نفسها وكمالاتها ، ومجموع تلك الخصوصيات بطور اللف كلمة من كلمات علته ، فكل واحد من الموجودات بما أن وجوده مثال لكمال علته الفياضة ، وكل مجموع منها ، ومجموع العالم الإمكاني كلام الله سبحانه يتكلم به فيظهر المكنون من كمال أسمائه وصفاته ، فكما أنه تعالى خالق للعالم والعالم مخلوقه كذلك هو تعالى متكلم بالعالم مظهر به خبايا الأسماء والصفات والعالم كلامه.
بل الدقة في معنى الدلالة على المعنى يوجب القول بكون الذات بنفسه دالا على نفسه فإن الدلالة بالآخرة شأن وجودي ليس ولا يكون لشيء بنحو الأصالة إلا لله وبالله سبحانه ، فكل شيء دلالته على بارئه وموجده فرع دلالة ما منه على نفسه ودلالته لله بالحقيقة ، فالله سبحانه هو الدال على نفس هذا الشيء الدال ، وعلى دلالته لغيره.