قوله تعالى:"و ما أدراك ما ليلة القدر"كناية عن جلالة قدر الليلة وعظم منزلتها ويؤكد ذلك إظهار الاسم مرة بعد مرة حيث قيل:"ما ليلة القدر ليلة القدر خير"ولم يقل: وما أدراك ما هي هي خير.
قوله تعالى:"ليلة القدر خير من ألف شهر"بيان إجمالي لما أشير إليه بقوله:"و ما أدراك ما ليلة القدر"من فخامة أمر الليلة.
والمراد بكونها خيرا من ألف شهر خيريتها منها من حيث فضيلة العبادة على ما فسره المفسرون وهو المناسب لغرض القرآن وعنايته بتقريب الناس إلى الله فإحياؤها بالعبادة خير من عبادة ألف شهر ، ويمكن أن يستفاد ذلك من المباركة المذكورة في سورة الدخان في قوله:"إنا أنزلناه في ليلة مباركة"وهناك معنى آخر سيأتي في البحث الروائي التالي إن شاء الله.
قوله تعالى:"تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر"تنزل أصله تتنزل ، والظاهر من الروح هو الروح الذي من الأمر قال تعالى:"قل الروح من أمر ربي": إسراء: 85 والإذن في الشيء الرخصة فيه وهو إعلام عدم المانع منه.
و"من"في قوله:"من كل أمر"قيل: بمعنى الباء وقيل: لابتداء الغاية وتفيد السببية أي بسبب كل أمر إلهي ، وقيل: للتعليل بالغاية أي لأجل تدبير كل أمر من الأمور والحق أن المراد بالأمر إن كان هو الأمر الإلهي المفسر بقوله"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن": يس: 82 فمن للابتلاء وتفيد السببية والمعنى تتنزل الملائكة والروح في ليلة القدر بإذن ربهم مبتدأ تنزلهم وصادرا من كل أمر إلهي.
وإن كان هو الأمر من الأمور الكونية والحوادث الواقعة فمن بمعنى اللام التعليلية والمعنى تتنزل الملائكة والروح في الليلة بإذن ربهم لأجل تدبير كل أمر من الأمور الكونية.
قوله تعالى:"سلام هي حتى مطلع الفجر"قال في المفردات ،: السلام والسلامة التعري من الآفات الظاهرة والباطنة انتهى فيكون قوله:"سلام هي"إشارة إلى العناية الإلهية بشمول الرحمة لعباده المقبلين إليه وسد باب نقمة جديدة تختص بالليلة ويلزمه بالطبع وهن كيد الشياطين كما أشير إليه في بعض الروايات.
وقيل: المراد به أن الملائكة يسلمون على من مروا به من المؤمنين المتعبدين ومرجعه إلى ما تقدم.
والآيتان أعني قوله:"تنزل الملائكة"إلى آخر السورة في معنى التفسير لقوله:"ليلة القدر خير من ألف شهر".
في تفسير البرهان ، عن الشيخ الطوسي عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله القدر شيء يكون على عهد الأنبياء ينزل عليهم فيها الأمر فإذا مضوا رفعت؟ قال: لا بل هي إلى يوم القيامة.
أقول: وفي معناه غير واحد من الروايات من طرق أهل السنة.
وفي المجمع ، وعن حماد بن عثمان عن حسان بن أبي علي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ليلة القدر قال: اطلبها في تسع عشرة وإحدى وعشرين وثلاث وعشرين.
أقول: وفي معناه غيرها ، وفي بعض الأخبار الترديد بين ليلتين الإحدى والعشرين والثلاث والعشرين كرواية العياشي عن عبد الواحد عن الباقر (عليه السلام) ويستفاد من روايات أنها ليلة ثلاث وعشرين وإنما لم يعين تعظيما لأمرها أن لا يستهان بها بارتكاب المعاصي.
وفيه ، أيضا في رواية عبد الله بن بكير عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: ليلة ثلاث وعشرين هي ليلة الجهني ، وحديثه أنه قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . إن منزلي نائي عن المدينة فمرني بليلة أدخل فيها فأمره بليلة ثلاث وعشرين.
أقول: وحديث الجهني واسمه عبد الله بن أنيس الأنصاري مروي من طرق أهل السنة أيضا أورده في الدر المنثور ، عن مالك والبيهقي.
وفي الكافي ، بإسناده عن زرارة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : التقدير في تسع عشرة ، والإبرام في ليلة إحدى وعشرين ، والإمضاء في ليلة ثلاث وعشرين.
أقول: وفي معناها روايات أخر.
فقد اتفقت أخبار أهل البيت (عليهم السلام) أنها باقية متكررة كل سنة ، وأنها ليلة من ليالي شهر رمضان وأنها إحدى الليالي الثلاث.
وأما من طرق أهل السنة فقد اختلفت الروايات اختلافا عجيبا يكاد لا يضبط والمعروف عندهم أنها ليلة سبع وعشرون فيها نزل القرآن ، ومن أراد الحصول عليها فليراجع الدر المنثور وسائر الجوامع.