فهرس الكتاب

الصفحة 2240 من 4314

12 سورة يوسف - 4 - 6

إِذْ قَالَ يُوسف لأَبِيهِ يَأَبَتِ إِنى رَأَيْت أَحَدَ عَشرَ كَوْكَبًا وَالشمْس وَالْقَمَرَ رَأَيْتهُمْ لى سجِدِينَ (4) قَالَ يَبُنىّ لا تَقْصص رُءْيَاك عَلى إِخْوَتِك فَيَكِيدُوا لَك كَيْدًا إِنّ الشيْطنَ لِلانسنِ عَدُوّ مّبِينٌ (5) وَكَذَلِك يجْتَبِيك رَبّك وَيُعَلِّمُك مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْك وَعَلى ءَالِ يَعْقُوب كَمَا أَتَمّهَا عَلى أَبَوَيْك مِن قَبْلُ إِبْرَهِيمَ وَإِسحَقَ إِنّ رَبّك عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)

تذكر الآيات رؤيا رآها يوسف وقصها على أبيه يعقوب (عليهما السلام) فعبرها أبوه له ونهاه أن يقصها على إخوته ، وهذه الرؤيا بشرى بشر الله سبحانه يوسف بها ليكون مادة روحية لتربيته تعالى عبده في صراط الولاية والقرب من ربه ، وهي بمنزلة المدخل في قصته (عليه السلام) .

قوله تعالى:"إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين"لم يذكر يعقوب (عليه السلام) باسمه بل كنى عنه بالأب للدلالة على ما بينهما من صفة الرحمة والرأفة والشفقة كما يدل عليه ما في الآية التالية:"قال يا بني لا تقصص"إلخ.

وقوله:"رأيت"و"رأيتهم"من الرؤيا وهي ما يشاهده النائم في نومته أو الذي خمدت حواسه الظاهرة بإغماء أو ما يشابهه ، ويشهد به قوله في الآية التالية:"لا تقصص رؤياك على إخوتك"وقوله في آخر القصة:"يا أبت هذا تأويل رؤياي".

وتكرار ذكر الرؤية لطول الفصل بين قوله"رأيت"وقوله"لي ساجدين"ومن فائدة التكرير الدلالة على أنه إنما رآهم مجتمعين على السجود جميعا لا فرادى.

على أن ما حصل له من المشاهدة نوعان مختلفان فمشاهدة أشخاص الكواكب والشمس والقمر مشاهدة أمر صوري ومشاهدة سجدتهم وخضوعهم وتعظيمهم له مشاهدة أمر معنوي.

وقد عبر عن الكواكب والنيرين في قوله:"رأيتهم لي ساجدين"بما يختص بأولى العقل - ضمير الجمع المذكر وجمع المذكر السالم - للدلالة على أن سجدتهم كانت عن علم وإرادة كما يسجد واحد من العقلاء لآخر.

وقد افتتح سبحانه قصته (عليه السلام) بذكر هذه الرؤيا التي أراها له وهي بشرى له تمثل له ما سيناله من الولاية الإلهية ويخص به من اجتباء الله إياه وتعليمه تأويل الأحاديث وإتمام نعمته عليه ، ومن هناك تبتدىء التربية الإلهية له لأن الذي بشر به في رؤياه لا يزال نصب عينيه في الحياة لا يتحول من حال إلى حال ، ولا ينتقل من شأن إلى شأن ، ولا يواجه نائبة ، ولا يلقى مصيبة ، إلا وهو ذاكر لها مستظهر بعناية الله سبحانه عليها موطن نفسه على الصبر عليها.

وهذه هي الحكمة في أن الله سبحانه يخص أولياءه بالبشرى بجمل ما سيكرمهم به من مقام القرب ومنزلة الزلفى كما في قوله:"ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون - إلى أن قال - لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة": يونس: 64.

قوله تعالى:"قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين"ذكر في المفردات ،: أن الكيد ضرب من الاحتيال ، وقد يكون مذموما وممدوحا وإن كان يستعمل في المذموم أكثر وكذلك الاستدراج والمكر.

انتهى.

وقد ذكروا أن الكيد يتعدى بنفسه وباللام.

والآية تدل على أن يعقوب لما سمع ما قصة عليه يوسف من الرؤيا أيقن بما يدل عليه أن يوسف (عليه السلام) سيتولى الله أمره ويرفع قدره ، يسنده على أريكة الملك وعرش العزة ، ويخصه من بين آل يعقوب بمزيد الكرامة فأشفق على يوسف (عليه السلام) وخاف من إخوته عليه وهم عصبة أقوياء أن لو سمعوا الرؤيا - وهي ظاهرة الانطباق على يعقوب (عليه السلام) وزوجه وأحد عشر من ولده غير يوسف ، وظاهرة الدلالة على أنهم جميعا سيخضعون ويسجدون ليوسف - حملهم الكبر والأنفة أن يحسدوه فيكيدوا له كيدا ليحولوا بينه وبين ما تبشره به رؤياه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت