فهرس الكتاب

الصفحة 996 من 4314

إلا أنه تعالى وصف بعضها بالشر والخسة واللعب واللهو وأوصاف أخر غير ممدوحة كما قال:"و لا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين": آل عمران: 187 ، وقال:"و ما هذه الحيوة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان": العنكبوت: 64 ، وقال:"لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد": آل عمران: 179 إلى غير ذلك.

والآيات تدل على أن هذه الأشياء المعدودة نعما إنما تكون نعمة إذا وافقت الغرض الإلهي من خلقتها لأجل الإنسان فإنها إنما خلقت لتكون إمدادا إلهيا للإنسان يتصرف فيها في سبيل سعادته الحقيقية ، وهي القرب منه سبحانه بالعبودية والخضوع للربوبية ، قال تعالى:"و ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون": الذاريات: 56.

فكل ما تصرف فيه الإنسان للسلوك به إلى حضرة القرب من الله وابتغاء مرضاته فهو نعمة ، وإن انعكس الأمر عاد نقمة في حقه ، فالأشياء في نفسها عزل ، وإنما هي نعمة لاشتمالها على روح العبودية ، ودخولها من حيث التصرف المذكور تحت ولاية الله التي هي تدبير الربوبية لشئون العبد ، ولازمه أن النعمة بالحقيقة هي الولاية الإلهية ، وأن الشيء إنما يصير نعمة إذا كان مشتملا على شيء منها ، قال تعالى:"الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور": البقرة: 275 ، وقال تعالى:"ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم": محمد: 11 وقال في حق رسوله:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما": النساء: 65 إلى غير ذلك.

فالإسلام وهو مجموع ما نزل من عند الله سبحانه ليعبده به عباده دين ، وهو من جهة اشتماله - من حيث العمل به - على ولاية الله وولاية رسوله وأولياء الأمر بعده نعمة.

ولا يتم ولاية الله سبحانه أي تدبيره بالدين لأمور عباده إلا بولاية رسوله ، ولا ولاية رسوله إلا بولاية أولي الأمر من بعده ، وهي تدبيرهم لأمور الأمة الدينية بإذن من الله قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم": النساء: 59 وقد مر الكلام في معنى الآية ، وقال:"إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون": المائدة: 55 وسيجيء الكلام في معنى الآية إن شاء الله تعالى.

فمحصل معنى الآية: اليوم - وهو اليوم الذي يئس فيه الذين كفروا من دينكم - أكملت لكم مجموع المعارف الدينية التي أنزلتها إليكم بفرض الولاية ، وأتممت عليكم نعمتي وهي الولاية التي هي إدارة أمور الدين وتدبيرها تدبيرا إلهيا ، فإنها كانت إلى اليوم ولاية الله ورسوله ، وهي أنما تكفي ما دام الوحي ينزل ، ولا تكفي لما بعد ذلك من زمان انقطاع الوحي ، ولا رسول بين الناس يحمي دين الله ويذب عنه بل من الواجب أن ينصب من يقوم بذلك ، وهو ولي الأمر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القيم على أمور الدين والأمة.

فالولاية مشروعة واحدة ، كانت ناقصة غير تامة حتى إذا تمت بنصب ولي الأمر بعد النبي.

وإذا كمل الدين في تشريعه ، وتمت نعمة الولاية فقد رضيت لكم من حيث الدين الإسلام الذي هو دين التوحيد الذي لا يعبد فيه إلا الله ولا يطاع فيه - والطاعة عبادة - إلا الله ومن أمر بطاعته من رسول أو ولي.

فالآية تنبىء عن أن المؤمنين اليوم في أمن بعد خوفهم ، وأن الله رضي لهم أن يتدينوا بالإسلام الذي هو دين التوحيد فعليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا بطاعة غير الله أو من أمر بطاعته.

وإذا تدبرت قوله تعالى:"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون": النور: 55 ثم طبقت فقرات الآية على فقرات قوله تعالى:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم"إلخ وجدت آية سورة المائدة من مصاديق إنجاز الوعد الذي يشتمل عليه آية سورة النور على أن يكون قوله:"يعبدونني لا يشركون بي شيئا"مسوقا سوق الغاية كما ربما يشعر به قوله:"و من كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت