و هذا يؤيد ما ورد من الروايات أن الآية نزلت يوم غدير خم ، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة عشر من الهجرة في أمر ولاية علي (عليه السلام) ، وعلى هذا فيرتبط الفقرتان أوضح الارتباط ، ولا يرد عليه شيء من الإشكالات المتقدمة.
ثم إنك بعد ما عرفت معنى اليأس في الآية تعرف أن اليوم:"في قوله اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ظرف متعلق بقوله:"يئس"وإن التقديم للدلالة على تفخيم أمر اليوم ، وتعظيم شأنه ، لما فيه من خروج الدين من مرحلة القيام بالقيم الشخصي إلى مرحلة القيام بالقيم النوعي ، ومن صفة الظهور والحدوث إلى صفة البقاء والدوام."
ولا يقاس الآية بما سيأتي من قوله:"اليوم أحل لكم الطيبات"الآية فإن سياق الآيتين مختلف فقوله:"اليوم يئس"، في سياق الاعتراض ، وقوله:"اليوم أحل"، في سياق الاستيناف ، والحكمان مختلفان: فحكم الآية الأولى تكويني مشتمل على البشرى من وجه والتحذير من وجه آخر ، وحكم الثانية تشريعي منبىء عن الامتنان.
فقوله:"اليوم يئس"، يدل على تعظيم أمر اليوم لاشتماله على خير عظيم الجدوى وهو يأس الذين كفروا من دين المؤمنين ، والمراد بالذين كفروا - كما تقدمت الإشارة إليه - مطلق الكفار من الوثنيين واليهود والنصارى وغيرهم لمكان الإطلاق.
وأما قوله:"فلا تخشوهم واخشون"فالنهي إرشادي لا مولوي ، معناه أن لا موجب للخشية بعد يأس الذين كنتم في معرض الخطر من قبلهم - ومن المعلوم أن الإنسان لا يهم بأمر بعد تمام اليأس من الحصول عليه ولا يسعى إلى ما يعلم ضلال سعيه فيه - فأنتم في أمن من ناحية الكفار ، ولا ينبغي لكم مع ذلك الخشية منهم على دينكم فلا تخشوهم واخشوني.
ومن هنا يظهر أن المراد بقوله:"و اخشون"بمقتضى السياق أن اخشوني فيما كان عليكم أن تخشوهم فيه لو لا يأسهم وهو الدين ونزعه من أيديكم ، وهذا نوع تهديد للمسلمين كما هو ظاهر ، ولهذا لم نحمل الآية على الامتنان.
ويؤيد ما ذكرنا أن الخشية من الله سبحانه واجب على أي تقدير من غير أن يتعلق بوضع دون وضع ، وشرط دون شرط ، فلا وجه للإضراب من قوله:"فلا تخشوهم"إلى قوله:"و اخشون"لو لا أنها خشية خاصة في مورد خاص.
ولا تقاس الآية بقوله تعالى:"فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين": آل عمران: 157 لأن الأمر بالخوف من الله في تلك الآية مشروط بالإيمان ، والخطاب مولوي ، ومفاده أنه لا يجوز للمؤمنين أن يخافوا الكفار على أنفسهم بل يجب أن يخافوا الله سبحانه وحده.
فالآية تنهاهم عما ليس لهم بحق وهو الخوف منهم على أنفسهم سواء أمروا بالخوف من الله أم لا ، ولذلك يعلل ثانيا الأمر بالخوف من الله بقيد مشعر بالتعليل ، وهو قوله:"إن كنتم مؤمنين"وهذا بخلاف قوله:"فلا تخشوهم واخشون"فإن خشيتهم هذه خشية منهم على دينهم ، وليست بمبغوضة لله سبحانه لرجوعها إلى ابتغاء مرضاته بالحقيقة ، بل إنما النهي عنها لكون السبب الداعي إليها - وهو عدم يأس الكفار منه - قد ارتفع وسقط أثره فالنهي عنه إرشادي ، فكذا الأمر بخشية الله نفسه ، ومفاد الكلام أن من الواجب أن تخشوا في أمر الدين ، لكن سبب الخشية كان إلى اليوم مع الكفار فكنتم تخشونهم لرجائهم في دينكم وقد يئسوا اليوم وانتقل السبب إلى ما عند الله فاخشوه وحده فافهم ذلك.
فالآية لمكان قوله:"فلا تخشوهم واخشون"لا تخلو عن تهديد وتحذير ، لأن فيه أمرا بخشية خاصة دون الخشية العامة التي تجب على المؤمن على كل تقدير وفي جميع الأحوال فلننظر في خصوصية هذه الخشية ، وأنه ما هو السبب الموجب لوجوبها والأمر بها؟.
لا إشكال في أن الفقرتين أعني قوله.
"اليوم يئس"، وقوله:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي"، في الآية مرتبطان مسوقتان لغرض واحد ، وقد تقدم بيانه فالدين الذي أكمله الله اليوم ، والنعمة التي أتمها اليوم - وهما أمر واحد بحسب الحقيقة - هو الذي كان يطمع فيه الكفار ويخشاهم فيه المؤمنون فأيأسهم الله منه وأكمله وأتمه ونهاهم عن أن يخشوهم فيه ، فالذي أمرهم بالخشية من نفسه فيه هو ذاك بعينه وهو أن ينزع الله الدين من أيديهم ، ويسلبهم هذه النعمة الموهوبة.