فقد كان الدين هو المبغوض عندهم دون أهل الدين إلا من جهة دينهم الحق فلم يكن في قصدهم إبادة المسلمين وإفناء جمعهم بل إطفاء نور الله وتحكيم أركان الشرك المتزلزلة المضطربة به ، ورد المؤمنين كفارا كما مر في قوله:"لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا"الآية قال تعالى:"يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون": الصف: 9.
وقال تعالى:"فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون": المؤمن: 14.
ولذلك لم يكن لهم هم إلا أن يقطعوا هذه الشجرة الطيبة من أصلها ، ويهدموا هذا البنيان الرفيع من أسه بتفتين المؤمنين وتسرية النفاق في جماعتهم وبث الشبه والخرافات بينهم لإفساد دينهم.
وقد كانوا يأخذون بادىء الأمر يفترون عزيمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويستمحقون همته في الدعوة الدينية بالمال والجاه ، كما يشير إليه قوله تعالى:"و انطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد": ص: 6 أو بمخالطة أو مداهنة ، كما يشير إليه قوله:"ودوا لو تدهن فيدهنون": القلم: 9 ، وقوله:"و لو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا": إسراء: 74 ، وقوله:"قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد": الكافرون: 3 على ما ورد في أسباب النزول.
وكان آخر ما يرجونه في زوال الدين ، وموت الدعوة المحقة ، أنه سيموت بموت هذا القائم بأمره ولا عقب له ، فإنهم كانوا يرون أنه ملك في صورة النبوة ، وسلطنة في لباس الدعوة والرسالة ، فلو مات أو قتل لانقطع أثره ومات ذكره وذكر دينه على ما هو المشهود عادة من حال السلاطين والجبابرة أنهم مهما بلغ أمرهم من التعالي والتجبر وركوب رقاب الناس فإن ذكرهم يموت بموتهم ، وسننهم وقوانينهم الحاكمة بين الناس وعليهم تدفن معهم في قبورهم ، يشير إلى رجائهم هذا قوله تعالى:"إن شانئك هو الأبتر:"الكوثر: 3 على ما ورد في أسباب النزول.
فقد كان هذه وأمثالها أماني تمكن الرجاء من نفوسهم ، وتطمعهم في إطفاء نور الدين ، وتزين لأوهامهم أن هذه الدعوة الطاهرة ليست إلا أحدوثة ستكذبه المقادير ويقضي عليها ويعفو أثرها مرور الأيام والليالي ، لكن ظهور الإسلام تدريجا على كل ما نازله من دين وأهله ، وانتشار صيته ، واعتلاء كلمته بالشوكة والقوة قضى على هذه الأماني فيئسوا من إفساد عزيمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإيقاف همته عند بعض ما كان يريده ، وتطميعه بمال أو جاه.
قوة الإسلام وشوكته أيأستهم من جميع تلك الأسباب أسباب: - الرجاء - إلا واحدا ، وهو أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) مقطوع العقب لا ولد له تخلفه في أمره ، ويقوم على ما قام عليه من الدعوة الدينية فسيموت دينه بموته ، وذلك أن من البديهي أن كمال الدين من جهة أحكامه ومعارفه - وإن بلغ ما بلغ - لا يقوى بنفسه على حفظ نفسه ، وأن سنة من السنن المحدثة والأديان المتبعة لا تبقى على نضارتها وصفائها لا بنفسها ولا بانتشار صيتها ولا بكثرة المنتحلين بها ، كما أنها لا تنمحي ولا تنطمس بقهر أو جبر أو تهديد أو فتنة أو عذاب أو غير ذلك إلا بموت حملتها وحفظتها والقائمين بتدبير أمرها.
ومن جميع ما تقدم يظهر أن تمام يأس الكفار إنما كان يتحقق عند الاعتبار الصحيح بأن ينصب الله لهذا الدين من يقوم مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حفظه وتدبير أمره ، وإرشاد الأمة القائمة به فيتعقب ذلك يأس الذين كفروا من دين المسلمين لما شاهدوا خروج الدين عن مرحلة القيام بالحامل الشخصي إلى مرحلة القيام بالحامل النوعي ، ويكون ذلك إكمالا للدين بتحويله من صفة الحدوث إلى صفة البقاء ، وإتماما لهذه النعمة ، وليس يبعد أن يكون قوله تعالى:"ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير": البقرة: 190 باشتماله على قوله:"حتى يأتي"، إشارة إلى هذا المعنى.