و ذهل عن أن هذا التدرج الذي ذكره في محرمات الطعام ، وقاس تحريمها بتحريم الخمر إن أريد به التدرج من حيث تحريم بعض الأفراد بعد بعض فقد عرفت أن الآية لا تشتمل على أزيد مما تشتمل عليه آيات التحريم السابقة نزولا على هذه الآية أعني آيات البقرة والأنعام والنحل ، وأن المنخنقة والموقوذة إلخ من أفراد ما ذكر فيها.
وإن أريد به التدرج من حيث البيان الإجمالي والتفصيلي خوفا من امتناع الناس من القبول ففي غير محله ، فإن ما ذكر بالتصريح في السور السابقة على المائدة أعني الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به أغلب مصداقا ، وأكثر ابتلاء ، وأوقع في قلوب الناس من أمثال المنخنقة والموقوذة وغيرها ، وهي أمور نادرة التحقق وشاذة الوجود ، فما بال تلك الأربعة وهي أهم وأوقع وأكثر يصرح بتحريمها من غير خوف من ذلك ثم يتقي من ذكرها ما لا يعبأ بأمره بالإضافة إليها فيتدرج في بيان حرمتها ، ويخاف من التصريح بها.
على أن ذلك لو سلم لم يكن إكمالا للدين ، وهل يصح أن يسمى تشريع الأحكام دينا وإبلاغها وبيانها إكمالا للدين؟ ولو سلم فإنما ذلك إكمال لبعض الدين وإتمام لبعض النعمة لا للكل والجميع ، وقد قال تعالى:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي"فأطلق القول من غير تقييد.
على أنه تعالى قد بين أحكاما كثيرة في أيام كثيرة ، فما بال هذا الحكم في هذا اليوم خص بالمزية فسماه الله أو سمى بيانه تفصيلا بإشمال الدين وإتمام النعمة.
أو أن المراد بإكمال الدين إكماله بسد باب التشريع بعد هذه الآية المبينة لتفصيل محرمات الطعام ، فما شأن الأحكام النازلة ما بين نزول المائدة ورحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ بل ما شأن سائر الأحكام النازلة بعد هذه الآية في سورة المائدة؟ تأمل فيه.
وبعد ذلك كله ما معنى قوله تعالى:"و رضيت لكم الإسلام دينا"- وتقديره: اليوم رضيت إلخ - لو كان المراد بالكلام الامتنان بما ذكر في الآية من المحرمات يوم عرفة من السنة العاشرة؟ وما وجه اختصاص هذا اليوم بأن الله سبحانه رضي فيه الإسلام دينا ، ولا أمر يختص به اليوم مما يناسب هذا الرضا؟.
وبعد ذلك كله يرد على هذا الوجه أكثر الإشكالات الواردة على الوجوه السابقة أو ما يقرب منها مما تقدم بيانه ولا نطيل بالإعادة.
أو أن المراد باليوم واحد من الأيام التي بين عرفة وبين ورود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة على بعض الوجوه المذكورة في معنى يأس الكفار ومعنى إكمال الدين.
وفيه من الإشكال ما يرد على غيره على التفصيل المتقدم.
فهذا شطر من البحث عن الآية بحسب السير فيما قيل أو يمكن أن يقال في توجيه معناها ، ولنبحث عنها من طريق آخر يناسب طريق البحث الخاص بهذا الكتاب.
قوله:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم"- واليأس يقابل الرجاء ، والدين إنما نزل من عند الله تدريجا - يدل على أن الكفار قد كان لهم مطمع في دين المسلمين وهو الإسلام ، وكانوا يرجون زواله بنحو منذ عهد وزمان ، وإن أمرهم ذلك كان يهدد الإسلام حينا بعد حين ، وكان الدين منهم على خطر يوما بعد يوم ، وإن ذلك كان من حقه أن يحذر منه ويخشاه المؤمنون.
فقوله:"فلا تخشوهم"، تأمين منه سبحانه للمؤمنين مما كانوا منه على خطر ، ومن تسر به على خشية ، قال تعالى:"ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم": آل عمران: 69 ، وقال تعالى:"ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم ومن بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير": البقرة: 190.
والكفار لم يكونوا يتربصون الدوائر بالمسلمين إلا لدينهم ، ولم يكن يضيق صدورهم وينصدع قلوبهم إلا من جهة أن الدين كان يذهب بسؤددهم وشرفهم واسترسالهم في اقتراف كل ما تهواه طباعهم ، وتألفه وتعتاد به نفوسهم ، ويختم على تمتعهم بكل ما يشتهون بلا قيد وشرط.