أو قلنا: إنها موضوعة في موضعها الذي هي فيه عند التأليف من غير أن تصاحبها نزولا ، فإن شيئا من هذه الاحتمالات لا يؤثر أثرا فيما ذكرناه من كون هذا الكلام المتخلل معترضا إذا قيس إلى صدر الآية وذيلها.
ويؤيد ذلك أن جل الروايات الواردة في سبب النزول - لو لم يكن كلها ، وهي أخبار جمة - يخص قوله:"اليوم يئس الذين كفروا"إلخ بالذكر من غير أن يتعرض لأصل الآية أعني قوله:"حرمت عليكم الميتة"، أصلا ، وهذا يؤيد أيضا نزول قوله:"اليوم يئس"إلخ نزولا مستقلا منفصلا عن الصدر والذيل ، وإن وقوع الآية في وسط الآية مستند إلى تأليف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو إلى تأليف المؤلفين بعده.
ويؤيده ما رواه في الدر المنثور ، عن عبد بن حميد عن الشعبي قال: نزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الآية وهو بعرفة:"اليوم أكملت لكم دينكم"وكان إذا أعجبته آيات جعلهن صدر السورة ، قال: وكان جبرئيل يعلمه كيف ينسك.
ثم إن هاتين الجملتين أعني قوله:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم"وقوله:"اليوم أكملت لكم دينكم متقاربتان مضمونا ، مرتبطتان مفهوما بلا ريب ، لظهور ما بين يأس الكفار من دين المسلمين وبين إكمال دين المسلمين من الارتباط القريب ، وقبول المضمونين لأن يمتزجا فيتركبا مضمونا واحدا مرتبط الأجزاء ، متصل الأطراف بعضها ببعض ، مضافا إلى ما بين الجملتين من الاتحاد في السياق."
ويؤيد ذلك ما نرى أن السلف والخلف من مفسري الصحابة والتابعين والمتأخرين إلى يومنا هذا أخذوا الجملتين متصلتين يتم بعضهما ، بعضا وليس ذلك إلا لأنهم فهموا من هاتين الجملتين ذلك ، وبنوا على نزولهما معا ، واجتماعهما من حيث الدلالة على مدلول واحد.
وينتج ذلك أن هذه الآية المعترضة أعني قوله:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم - إلى قوله: - ورضيت لكم الإسلام دينا"كلام واحد متصل بعض أجزائه ببعض مسوق لغرض واحد قائم بمجموع الجملتين من غير تشتت سواء قلنا بارتباطه بالآية المحيطة بها أو لم نقل ، فإن ذلك لا يؤثر البتة في كون هذا المجموع كلاما واحدا معترضا لا كلامين ذوي غرضين ، وإن اليوم المتكرر في قوله:"اليوم يئس الذين كفروا"، وفي قوله:"اليوم أكملت لكم دينكم"، أريد به يوم واحد يئس فيه الكفار وأكمل فيه الدين.
ثم ما المراد بهذا اليوم الواقع في قوله تعالى:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم"؟ فهل المراد به زمان ظهور الإسلام ببعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعوته فيكون المراد أن الله أنزل إليكم الإسلام ، وأكمل لكم الدين وأتم عليكم النعمة وأيأس منكم الكفار؟.
لا سبيل إلى ذلك لأن ظاهر السياق أنه كان لهم دين كان الكفار يطمعون في إبطاله أو تغييره ، وكان المسلمون يخشونهم على دينهم فأيأس الله الكافرين مما طمعوا فيه وآمن المسلمين وأنه كان ناقصا فأكمله الله وأتم نعمته عليهم ولم يكن لهم قبل الإسلام دين حتى يطمع فيه الكفار أو يكمله الله ويتم نعمته عليهم.
على أن لازم ما ذكر من المعنى أن يتقدم قوله:"اليوم أكملت"، على قوله:"اليوم يئس الذين كفروا"، حتى يستقيم الكلام في نظمه.
أو أن المراد باليوم هو ما بعد فتح مكة حيث أبطل الله فيه كيد مشركي قريش وأذهب شوكتهم ، وهدم فيه بنيان دينهم ، وكسر أصنامهم فانقطع رجاؤهم أن يقوموا على ساق ، ويضادوا الإسلام ويمانعوا نفوذ أمره وانتشار صيته.
لا سبيل إلى ذلك أيضا فإن الآية تدل على إكمال الدين وإتمام النعمة ولما يكمل الدين بفتح مكة - وكان في السنة الثامنة من الهجرة - فكم من فريضة نزلت بعد ذلك ، وكم من حلال أو حرام شرع فيما بينه وبين رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
على أن قوله:"الذين كفروا يعم جميع مشركي العرب ولم يكونوا جميعا آيسين من دين المسلمين ، ومن الدليل عليه أن كثيرا من المعارضات والمواثيق على عدم التعرض كانت باقية بعد على اعتبارها واحترامها ، وكانوا يحجون حجة الجاهلية على سنن المشركين ، وكانت النساء يحججن عاريات مكشوفات العورة حتى بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام) بآيات البراءة فأبطل بقايا رسوم الجاهلية."