فالمراد من النهي عن أكل لحوم ما ذبح على النصب أن يستن بسنن الجاهلية في ذلك فإنهم كانوا نصبوا حول الكعبة أحجارا يقدسونها ويذبحون عليها ، وكان من سنن الوثنية.
قوله تعالى:"و أن تستقسموا بالأزلام"والأزلام هي القداح ، والاستقسام بالقداح أن يؤخذ جزور - أو بهيمة أخرى - على سهام ثم يضرب بالقداح في تشخيص من له سهم ممن لا سهم له ، وفي تشخيص نفس السهام المختلفة وهو الميسر ، وقد مر شرحه عند قوله تعالى:"يسألونك عن الخمر والميسر"الآية: البقرة: 291 في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
قال الراغب: القسم إفراز النصيب يقال: قسمت كذا قسما وقسمة ، وقسمة الميراث وقسمة الغنيمة تفريقهما على أربابهما ، قال:"لكل باب منهم جزء مقسوم""و نبئهم أن الماء قسمة بينهم"واستقسمته سألته أن يقسم ، ثم قد يستعمل في معنى قسم قال:"و أن تستقسموا بالأزلام"، وما ذكره من كون استقسم بمعنى قسم إنما هو بحسب الانطباق مصداقا ، والمعنى بالحقيقة طلب القسمة بالأزلام التي هي آلات هذا الفعل ، فاستعمال الآلة طلب لحصول الفعل المترتب عليها فيصدق الاستفعال.
فالمراد بالاستقسام بالأزلام المنهي عنه على ظاهر السياق هو ضرب القداح على الجزور ونحوه للذهاب بما في لحمه من النصيب.
وأما ما ذكره بعضهم أن المراد بالاستقسام بالأزلام الضرب بالقداح لاستعلام الخير والشر في الأفعال ، وتمييز النافع منها من الضار كمن يريد سفرا أو ازدواجا أو شروعا في عمل أو غير ذلك فيضرب بالقداح لتشخيص ما فيه الخير منها مما لا خير فيه قالوا: وكان ذلك دائرا بين عرب الجاهلية ، وذلك نوع من الطيرة ، وسيأتي زيادة شرح له في البحث الروائي التالي - ففيه: أن سياق الآية يأبى عن حمل اللفظ على الاستقسام بهذا المعنى ، وذلك أن الآية - وهي مقام عد محرمات الأطعمة ، وقد أشير إليها قبلا في قوله:"إلا ما يتلى عليكم"- تعد من محرماتها عشرا ، وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وما ذبح على النصب ، ثم تذكر الاستقسام بالأزلام الذي من معناه قسمة اللحم بالمقامرة ، ومن معناه استعلام الخير والشر في الأمور ، فكيف يشك بعد ذلك السياق الواضح والقرائن المتوالية في تعين حمل اللفظ على استقسام اللحم قمارا وهل يرتاب عارف بالكلام في ذلك.
نظير ذلك أن العمرة مصدر بمعنى العمارة ، ولها معنى آخر وهو زيارة البيت الحرام ، فإذا أضيف إلى البيت صح كل من المعنيين لكن لا يحتمل في قوله تعالى:"و أتموا الحج والعمرة لله": البقرة: 191. إلا المعنى الأول ، والأمثلة في ذلك كثيرة.
وقوله:"ذلكم فسق"يحتمل الإشارة إلى جميع المذكورات ، والإشارة إلى الأخيرين المذكورين بعد قوله:"إلا ما ذكيتم"لحيلولة الاستثناء ، والإشارة إلى الأخير ولعل الأوسط خير الثلاثة.
قوله تعالى:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون"أمر الآية في حلولها محلها ثم في دلالتها عجيب ، فإنك إذا تأملت صدر الآية أعني قوله تعالى:"حرمت عليكم الميتة والدم - إلى قوله: - ذلكم فسق"وأضفت إليه ذيلها أعني قوله:"فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم"وجدته كلاما تاما غير متوقف في تمام معناه وإفادة المراد منه إلى شيء من قوله:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم"إلخ أصلا ، وألفيته آية كاملة مماثلة لما تقدم عليها في النزول من الآيات الواقعة في سورة الأنعام والنحل والبقرة المبينة لمحرمات الطعام ، ففي سورة البقرة:"إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم"ويماثله ما في سورتي الأنعام والنحل.
وينتج ذلك أن قوله:"اليوم يئس الذين كفروا"إلخ كلام معترض موضوع في وسط هذه الآية غير متوقف عليه لفظ الآية في دلالتها وبيانها ، سواء قلنا: إن الآية نازلة في وسط الآية فتخللت بينها من أول ما نزلت ، أو قلنا إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي أمر كتاب الوحي بوضع الآية في هذا الموضع مع انفصال الآيتين واختلافهما نزولا.