فهرس الكتاب

الصفحة 987 من 4314

بل النهي عنها وخاصة عن الثلاثة الأول أعني الميتة والدم ولحم الخنزير أسبق تشريعا من نزول سورتي الأنعام والنحل المكيتين ، فإن آية الأنعام تعلل تحريم الثلاثة أو خصوص لحم الخنزير بأنه رجس ، فتدل على تحريم أكل الرجز ، وقد قال تعالى في سورة المدثر - وهي من السور النازلة في أول البعثة -:"و الرجز فاهجر": المدثر: 5.

وكذلك ما عده تعالى بقوله"و المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع"جميعا من مصاديق الميتة بدليل قوله"إلا ما ذكيتم"فإنما ذكرت في الآية لنوع عناية بتوضيح أفراد الميتة ومزيد بيان للمحرمات من الأطعمة من غير أن تتضمن الآية فيها على تشريع حديث.

وكذلك ما عده الله تعالى بقوله"و ما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق"فإنهما وإن كانا أول ما ذكرا في هذه السورة لكنه تعالى علل تحريمهما أو تحريم الثاني منهما - على احتمال ضعيف - بالفسق ، وقد حرم الفسق في آية الأنعام ، وكذا قوله"غير متجانف لإثم"يدل على تحريم ما ذكر في الآية لكونه إثما ، وقد دلت آية البقرة على تحريم الإثم ، وقال تعالى أيضا:"و ذروا ظاهر الإثم وباطنه": الأنعام: 102 ، وقال تعالى: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم": الأعراف: 33."

فقد اتضح وبان أن الآية لا تشتمل فيما عدته من المحرمات على أمر جديد غير مسبوق بالتحريم فيما تقدم عليها من الآيات المكية أو المدنية المتضمنة تعداد محرمات الأطعمة من اللحوم ونحوها.

قوله تعالى:"و المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم"المنخنقة هي البهيمة التي تموت بالخنق ، وهو أعم من أن يكون عن اتفاق أو بعمل عامل اختيارا ، ومن أن يكون بأي آلة ووسيلة كانت كحبل يشد على عنقها ويسد بضغطة مجرى تنفسها ، أو بإدخال رأسها بين خشبتين ، كما كانت هذه الطريقة وأمثالها دائرة بينهم في الجاهلية.

والموقوذة هي التي تضرب حتى تموت ، والمتردية هي التي تردت أي سقطت من مكان عال كشاهق جبل أو بئر ونحوهما.

والنطيحة هي التي ماتت عن نطح نطحها به غيرها ، وما أكل السبع هي التي أكلها أي أكل من لحمها السبع فإن الأكل يتعلق بالمأكول سواء أفنى جميعه أو بعضه والسبع هو الوحش الضاري كالأسد والذئب والنمر ونحوها.

وقوله"إلا ما ذكيتم"استثناء لما يقبل التذكية بمعنى فري الأوداج الأربعة منها كما إذا كانت فيها بقية من الحياة يدل عليها مثل حركة ذنب أو أثر تنفس ونحو ذلك والاستثناء كما ذكرنا آنفا متعلق بجميع ما يقبله من المعدودات من دون أن يتقيد بالتعلق بالأخير من غير دليل عليه.

وهذه الأمور الخمسة أعني المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع كل ذلك من أفراد الميتة ومصاديقها ، بمعنى أن المتردية أو النطيحة مثلا إنما تحرمان إذا ماتتا بالتردي والنطح ، والدليل على ذلك قوله:"إلا ما ذكيتم"فإن من البديهي أنهما لا تؤكلان ما دامت الروح في جثمانهما ، وإنما تؤكلان بعد زهوقها وحينئذ فإما أن تذكيا أو لا ، وقد استثنى الله سبحانه التذكية فلم يبق للحرمة إلا إذا ماتتا عن ترد أو نطح من غير تذكية ، وأما لو تردت شاة - مثلا - في بئر ثم أخرجت سليمة مستقيمة الحال فعاشت قليلا أو كثيرا ثم ماتت حتف أنفها أو ذكيت بذبح فلا تطلق عليها المتردية ، يدل على ذلك السياق فإن المذكورات فيها ما إذا هلكت ، واستند هلاكها إلى الوصف الذي ذكر لها كالانخناق والوقذ والتردي والنطح.

والوجه في تخصيص هذه المصاديق من الميتة بالذكر رفع ما ربما يسبق إلى الوهم أنها ليست ميتة بناء على أنها أفراد نادرة منها والذهن يسبق غالبا إلى الفرد الشائع ، وهو ما إذا ماتت بمرض ونحوه من غير أن يكون لمفاجاة سبب من خارج ، فصرح تعالى بهذه الأفراد والمصاديق النادرة بأسمائها حتى يرتفع اللبس وتتضح الحرمة.

قوله تعالى:"و ما ذبح على النصب"قال الراغب في المفردات: ، نصب الشيء وضعه وضعا ناتئا كنصب الرمح والبناء والحجر ، والنصيب الحجارة تنصب على الشيء ، وجمعه نصائب ونصب ، وكان للعرب حجارة تعبدها وتذبح عليها قال:"كأنهم إلى نصب يوفضون"، قال:"و ما ذبح على النصب"وقد يقال في جمعه: أنصاب قال والأنصاب والأزلام". والنصب والنصب: التعب."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت