و الإحلال هو الإباحة الملازمة لعدم المبالاة بالحرمة والمنزلة ، ويتعين معناه بحسب ما أضيف إليه: فإحلال شعائر الله عدم احترامها وتركها ، وإحلال الشهر الحرام عدم حفظ حرمته والقتال فيه ، وهكذا.
والشعائر جمع شعيرة وهي العلامة ، وكان المراد بها أعلام الحج ومناسكه.
والشهر الحرام ما حرمه الله من شهور السنة القمرية وهي: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة.
والهدي ما يساق للحج من الغنم والبقر والإبل.
والقلائد جمع قلادة ، وهي ما يقلد به الهدي في عنقه من نعل ونحوه ليعلم أنه هدي للحج فلا يتعرض له.
والآمين جمع آم اسم فاعل من أم إذا قصد ، والمراد به القاصدون لزيارة البيت الحرام.
وقوله"يبتغون فضلا"، حال من"آمين"والفضل هو المال ، أو الربح المالي فقد أطلق عليه في قوله تعالى"فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء": آل عمران: 147 وغير ذلك أو هو الأجر الأخروي أو الأعم من المال والأجر.
وقد اختلفوا في تفسير الشعائر والقلائد وغيرهما من مفردات الآية على أقوال شتى ، والذي آثرنا ذكره هو الأنسب لسياق الآية ، ولا جدوى في التعرض لتفاصيل الأقوال.
قوله تعالى:"و إذا حللتم فاصطادوا"أمر واقع بعد الحظر لا يدل على أزيد من الإباحة بمعنى عدم المنع ، والحل والإحلال - مجردا ومزيدا فيه - بمعنى وهو الخروج من الإحرام.
قوله تعالى:"و لا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا"يقال: جرمه يجرمه أي حمله ، ومنه الجريمة للمعصية لأنها محمولة من حيث وبالها ، وللعقوبة المالية وغيرها لأنها محمولة على المجرم.
وذكر الراغب أن الأصل في معناها القطع.
والشنآن العداوة والبغض.
وقوله"أن صدوكم"أي منعوكم بدل أو عطف بيان من الشنآن ، ومحصل معنى الآية: ولا يحملنكم عداوة قوم وهو أن منعوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا عليهم بعد ما أظهركم الله عليهم.
قوله تعالى:"و تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان"المعنى واضح ، وهذا أساس السنة الإسلامية ، وقد فسر الله سبحانه البر في كلامه بالإيمان والإحسان في العبادات والمعاملات ، كما مر في قوله تعالى:"و لكن البر من آمن بالله واليوم الآخر"الآية: البقرة: 177 وقد تقدم الكلام فيه.
والتقوى مراقبة أمر الله ونهيه ، فيعود معنى التعاون على البر والتقوى إلى الاجتماع على الإيمان والعمل الصالح على أساس تقوى الله ، وهو الصلاح والتقوى الاجتماعيان ، ويقابله التعاون على الإثم الذي هو العمل السيىء المستتبع للتأخر في أمور الحياة السعيدة ، وعلى العدوان وهو التعدي على حقوق الناس الحقة بسلب الأمن من نفوسهم أو أعراضهم أو أموالهم وقد مر شطر من الكلام في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى:"يا أيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا"الآية: آل عمران: 200 في الجزء الرابع من هذا الكتاب.
ثم أكد سبحانه نهيه عن الاجتماع على الإثم والعدوان بقوله:"و اتقوا الله إن الله شديد العقاب"وهو في الحقيقة تأكيد على تأكيد.
قوله تعالى:"حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به"هذه الأربعة مذكورة فيما نزل من القرآن قبل هذه السورة كسورتي الأنعام والنحل وهما مكيتان ، وسورة البقرة وهي أول سورة مفصلة نازلة بالمدينة قال تعالى:"قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم": الأنعام: 154 وقال تعالى:"إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم": البقرة: 137.
والآيات جميعا - كما ترى - تحرم هذه الأربعة المذكورة في صدر هذه الآية وتماثل الآية أيضا في الاستثناء الواقع في ذيلها بقوله:"فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم"فآية المائدة بالنسبة إلى هذه المعاني المشتركة بينها وبين تلك مؤكدة لتلك الآيات.