أو أن المراد باليوم ما بعد نزول البراءة من الزمان حيث انبسط الإسلام على جزيرة العرب تقريبا ، وعفت آثار الشرك ، وماتت سنن الجاهلية فما كان المسلمون يرون في معاهد الدين ومناسك الحج أحدا من المشركين ، وصفا لهم الأمر ، وأبدلهم الله بعد خوفهم أمنا يعبدونه ولا يشركون به شيئا.
لا سبيل إلى ذلك فإن مشركي العرب وإن أيسوا من دين المسلمين بعد نزول آيات البراءة وطي بساط الشرك من الجزيرة وإعفاء رسوم الجاهلية إلا أن الدين لم يكمل بعد وقد نزلت فرائض وأحكام بعد ذلك ومنها ما في هذه السورة: سورة المائدة ، وقد اتفقوا على نزولها في آخر عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وفيها شيء كثير من أحكام الحلال والحرام والحدود والقصاص.
فتحصل أنه لا سبيل إلى احتمال أن يكون المراد باليوم في الآية معناه الوسيع مما يناسب مفاد الآية بحسب بادىء النظر كزمان ظهور الدعوة الإسلامية أو ما بعد فتح مكة من الزمان ، أو ما بعد نزول آيات البراءة فلا سبيل إلا أن يقال: إن المراد باليوم يوم نزول الآية نفسها ، وهو يوم نزول السورة إن كان قوله:"اليوم يئس الذين كفروا"، معترضا مرتبطا بحسب المعنى بالآية المحيطة بها ، أو بعد نزول سورة المائدة في أواخر عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وذلك لمكان قوله تعالى:"اليوم أكملت".
فهل المراد باليوم يوم فتح مكة بعينه؟ أو يوم نزول البراءة بعينه؟ يكفي في فساده ما تقدم من الإشكالات الواردة على الاحتمال الثاني والثالث المتقدمين.
أو أن المراد باليوم هو يوم عرفة من حجة الوداع كما ذكره كثير من المفسرين وبه ورد بعض الروايات؟ فما المراد من يأس الذين كفروا يومئذ من دين المسلمين فإن كان المراد باليأس من الدين يأس مشركي قريش من الظهور على دين المسلمين فقد كان ذلك يوم الفتح عام ثمانية لا يوم عرفة من السنة العاشرة ، وإن كان المراد يأس مشركي العرب من ذلك فقد كان ذلك عند نزول البراءة وهو في السنة التاسعة من الهجرة ، وإن كان المراد به يأس جميع الكفار الشامل لليهود والنصارى والمجوس وغيرهم - وذلك الذي يقتضيه إطلاق قوله:"الذين كفروا"- فهؤلاء لم يكونوا آيسين من الظهور على المسلمين بعد ، ولما يظهر للإسلام قوة وشوكة وغلبة في خارج جزيرة العرب اليوم.
ومن جهة أخرى يجب أن نتأمل فيما لهذا اليوم - وهو يوم عرفة تاسع ذي الحجة سنة عشر من الهجرة - من الشأن الذي يناسب قوله:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي"في الآية.
فربما أمكن أن يقال: إن المراد به إكمال أمر الحج بحضور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه فيه ، وتعليمه الناس تعليما عمليا مشفوعا بالقول.
لكن فيه أن مجرد تعليمه الناس مناسك حجهم - وقد أمرهم بحج التمتع ولم يلبث دون أن صار مهجورا ، وقد تقدمه تشريع أركان الدين من صلاة وصوم وحج وزكاة وجهاد وغير ذلك - لا يصح أن يسمى إكمالا للدين ، وكيف يصح أن يسمى تعليم شيء من واجبات الدين إكمالا لذلك الواجب فضلا عن أن يسمى تعليم واجب من واجبات الدين لمجموع الدين.
على أن هذا الاحتمال يوجب انقطاع رابطة الفقرة الأولى أعني قوله:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم بهذه الفقرة أعني قوله:"اليوم أكملت لكم دينكم"وأي ربط ليأس الكفار عن الدين بتعليم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حج التمتع للناس."
وربما أمكن أن يقال إن المراد به إكمال الدين بنزول بقايا الحلال والحرام في هذا اليوم في سورة المائدة ، فلا حلال بعده ولا حرام ، وبإكمال الدين استولى اليأس على قلوب الكفار ، ولاحت آثاره على وجوههم.
لكن يجب أن نتبصر في تمييز هؤلاء الكفار الذين عبر عنهم في الآية بقوله:"الذين كفروا"على هذا التقدير وأنهم من هم؟ فإن أريد بهم كفار العرب فقد كان الإسلام عمهم يومئذ ولم يكن فيهم من يتظاهر بغير الإسلام وهو الإسلام حقيقة ، فمن هم الكفار الآيسون؟.
وإن أريد بهم الكفار من غيرهم كسائر العرب من الأمم والأجيال فقد عرفت آنفا أنهم لم يكونوا آيسين يومئذ من الظهور على المسلمين.