ثم غير سبحانه السياق وقال:"و قال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين"ومجيء الحق لهم بلوغه وظهوره لهم ، والأخذ بوصف الكفر للإشعار بالتعليل والمعنى: والذين كفروا بعثهم الكفر إلى أن يقولوا للحق الصريح الذي بلغهم وظهر لهم هذا سحر ظاهر سحريته وبطلانه.
وأكد إصرارهم على دحض الحق باتباع الهوى من غير دليل يدل عليه بقوله:"و ما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير"والجملة حالية أي وعد الذين كفروا - أي كفار قريش - الحق الصريح الظاهر لهم سحرا مبينا والحال أنا لم نعطهم كتبا يدرسونها حتى يميزوا بها الحق من الباطل ولم نرسل إليهم قبلك من رسول ينذرهم ويبين لهم ذلك فيقولوا استنادا إلى الكتاب الإلهي أو إلى قول الرسول النذير: إنه حق أو باطل.
قوله تعالى:"و كذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير"ضميرا الجمع الأول والثاني لكفار قريش ومن يتلوهم والثالث والرابع للذين من قبلهم ، والمعشار العشر والنكير الإنكار ، والمراد به في الآية لازمه وهو الأخذ بالعذاب.
والمعنى: وكذب بالحق من الآيات الذين كانوا من قبل كفار قريش من الأمم الماضية ولم يبلغ كفار قريش عشر ما آتيناهم من القوة والشدة فكذب أولئك الأقوام رسلي فكيف كان أخذي بالعذاب وما أهون أمر قريش.
والالتفات في الآية إلى التكلم لاستعظام الجرم وتهويل المؤاخذة.
قوله تعالى:"قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة"المراد بالموعظة الوصية كناية أو تضمينا ، وقوله:"أن تقوموا لله"أي تنهضوا لأجل الله ولوجهه الكريم ، وقوله:"مثنى وفرادى"أي اثنين اثنين وواحدا واحدا كناية عن التفرق وتجنب التجمع والغوغاء فإن الغوغاء لا شعور لها ولا فكر وكثيرا ما تميت الحق وتحيي الباطل.
وقوله:"ما بصاحبكم من جنة"استئناف"ما"نافية ويشهد بذلك قوله بعد:"إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد"ويمكن أن يكون"ما"استفهامية أو موصولة و"من جنة"بيانا له.
والمراد بصاحبكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه والوجه في التعبير به تذكرتهم بصحبته الممتدة لهم أربعين سنة من حين ولادته إلى حين بعثته ليتذكروا أنهم لم يعهدوا منه اختلالا في فكر أو خفة في رأي أو أي شيء يوهم أن به جنونا.
والمعنى: قل لهم: إنما أوصيكم بالعظة أن تنهضوا وتنتصبوا لوجه الله متفرقين حتى يصفو فكركم ويستقيم رأيكم اثنين اثنين وواحدا واحدا وتتفكروا في أمري فقد صاحبتكم طول عمري على سداد من الرأي وصدق وأمانة ليس في من جنة.
ما أنا إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد في يوم القيامة فأنا ناصح لكم غير خائن.
قوله تعالى:"قل ما سألتكم من أجر فهو لكم"إلخ ، كناية عن عدم سؤال أجر على الدعوة فإنه إذا وهبهم كما سألهم من أجر فليس له عليهم أجر مسئول ولازمه أن لا يسألهم وهذا تطييب لنفوسهم أن لا يتهموه بأنه جعل الدعوة ذريعة إلى نيل مال أو جاه.
ثم تمم القول بقوله:"إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد"لئلا يرد عليه قوله بأنه دعوى غير مسموعة فإن الإنسان لا يروم عملا بغير غاية فدفعه بأن لعملي أجرا لكنه على الله لا عليكم وهو يشهد عملي وهو على كل شيء شهيد.
قوله تعالى:"قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب"القذف الرمي ، وقوله:"علام الغيوب"خبر بعد خبر أو خبر لمبتدء محذوف وهو الضمير الراجع إليه تعالى.
ومقتضى سياق الآيات السابقة أن المراد بالحق المقذوف القرآن النازل إليه بالوحي من عنده تعالى الذي هو قول فصل يحق الحق ويبطل الباطل فهو الحق المقذوف إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) من عند علام الغيوب فيدمغ الباطل ويزهقه ، قال تعالى:"بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق": الأنبياء: 18 ، وقال:"قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا": إسراء: 81.
قوله تعالى:"قل جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد"المراد بمجيء الحق على ما تهدي إليه الآية السابقة نزول القرآن المبطل بحججه القاطعة وبراهينه الساطعة لكل باطل من أصله.