فهرس الكتاب

الصفحة 3448 من 4314

و قوله:"و ما يبدىء الباطل وما يعيد"أي ما يظهر أمرا ابتدائيا جديدا بعد مجيء الحق وما يعيد أمرا كان قد أظهره من قبل إظهارا ثانيا بنحو الإعادة فهو كناية عن بطلان الباطل وسقوطه عن الأثر من أصله بالحق الذي هو القرآن.

قوله تعالى:"قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب"بيان لأثر الحق الذي هو الوحي فإنه عرفه حقا مطلقا فالحق إذا كان حقا من كل جهة لم يخطىء في إصابة الواقع في جهة من الجهات وإلا كان باطلا من تلك الجهة فالوحي يهدي ولا يخطىء البتة.

ولذا قال تأكيدا لما تقدم:"قل إن ضللت"وفرض مني ضلال"فإنما أضل"مستقرا ذلك الضلال"على نفسي"فإن للإنسان من نفسه أن يضل"و إن اهتديت فبما يوحي إلي ربي"فوحيه حق لا يحتمل ضلالا ولا يؤثر إلا الهدى.

وقد علل الكلام بقوله:"إنه سميع قريب"للدلالة على أنه يسمع الدعوة ولا يحجبه عنها حاجب البعد وقد مهد له قبلا وصفه تعالى في قذف الحق بأنه علام الغيوب فلا يغيب عنه أمر يخل بأمره ويمنع نفوذ مشيته هداية الناس بالوحي قال تعالى:"عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا": الجن: 28.

قوله تعالى:"و لو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب"ظاهر السياق السابق ويشعر به قوله الآتي:"و حيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل"أن الآيات الأربع وصف حال مشركي قريش ومن يلحق بهم حال الموت.

فقوله:"و لو ترى إذ فزعوا"أي حين فزع هؤلاء المشركون عند الموت"فلا فوت"أي لا يفوتون الله بهرب أو تحصن أو أي حائل آخر.

وقوله:"و أخذوا من مكان قريب"كناية عن عدم فصل بينهم وبين من يأخذهم وقد عبر بقوله:"أخذوا"مبنيا للمفعول ليستند الأخذ إليه سبحانه ، وقد وصف نفسه بأنه قريب ، وكشف عن معنى قربه بقوله:"و نحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون": الواقعة: 85 ، وأزيد منه في قوله:"من حبل الوريد": ق: 16 ، وأزيد منه في قوله:"إن الله يحول بين المرء وقلبه": الأنفال: 24 ، فبين أنه أقرب إلى الإنسان من نفسه وهذا الموقف هو المرصاد الذي ذكره في قوله:"إن ربك لبالمرصاد": الفجر: 14 ، فكيف يتصور فوت الإنسان منه وهو أقرب إليه من نفسه؟ أو من ملائكته المكرمين الذين يأخذون الأمر منه تعالى من غير حاجب يحجبهم عنه أو واسط يتوسط بينه وبينهم.

فقوله:"و أخذوا من مكان قريب"نوع تمثيل لقربه تعالى من الإنسان بحسب ما نتصوره من معنى القرب لاحتباسنا في سجن الزمان والمكان وأنسنا بالأمور المادية وإلا فالأمر أعظم من ذلك.

قوله تعالى:"و قالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد"التناوش التناول وضمير"به"للقرآن على ما يعطيه السياق.

والمراد بكونهم في مكان بعيد أنهم في عالم الآخرة وهي دار تعين الجزاء وهي أبعد ما يكون من عالم الدنيا التي هي دار العمل وموطن الاكتساب بالاختيار وقد تبدل الغيب شهادة لهم والشهادة غيبا كما تشير إليه الآية التالية.

قوله تعالى:"و قد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد"حال من الضمير في"و أنى لهم التناوش"والمراد بقوله:"و يقذفون بالغيب من مكان بعيد"رميهم عالم الآخرة وهم في الدنيا بالظنون مع عدم علمهم به وكونه غائبا عن حواسهم إذ كانوا يقولون: لا بعث ولا جنة ولا نار ، وقيل: المراد به رميهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسحر والكذب والافتراء والشعر.

والعناية في إطلاق المكان البعيد على الدنيا بالنسبة إلى الآخرة نظيره إطلاقه على الآخرة بالنسبة إلى الدنيا وقد تقدمت الإشارة إليه.

ومعنى الآيتين: وقال المشركون حينما أخذوا آمنا بالحق الذي هو القرآن وأنى لهم تناول الإيمان به - إيمانا يفيد النجاة - من مكان بعيد وهو الآخرة والحال أنهم كفروا به من قبل في الدنيا وهم ينفون أمور الآخرة بالظنون والأوهام من مكان بعيد وهو الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت