فهرس الكتاب

الصفحة 3446 من 4314

و قوله:"ثم يقول للملائكة أ هؤلاء إياكم كانوا يعبدون"ليس سؤال استخبار عن أصل عبادتهم لهم ولو كان كذلك لم يسعهم إنكارها لأنهم عبدوهم في الدنيا وقد أنكروها كما في الآية بل المراد السؤال عن رضاهم بعبادتهم على حد قوله تعالى لعيسى بن مريم:"أ أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله".

والغرض من السؤال تبكيت المشركين وإقناطهم من نصرة الملائكة وشفاعتهم لهم وقد عبدوهم في الدنيا لذلك.

قوله تعالى:"قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون"أخذت الملائكة في جوابهم عن سؤاله تعالى بجوامع الأدب فنزهوه سبحانه أولا تنزيها مطلقا فيه تنزيهه من أن يعبدوا من دونه ثم نفوا رضاهم بعبادة المشركين لهم لكن لا بالتصريح بنفي الرضا بالعبادة ولا بالتفوه بعبادتهم صونا لساحة المخاطبة عما يقرع السمع بذلك ، ولو تصورا لا تصديقا بل أجابوا بقصر ولايتهم فيه تعالى ونفيها عنهم ليدل على نفي الرضا بعبادتهم لهم على طريق الكناية فإن الرضا بعبادتهم لازمه الموالاة بينهم ، والموالاة بينهم تنافي قصر الولاية في الله سبحانه فإذا انحصرت الولاية فيه تعالى لم تكن موالاة وإذا لم تكن موالاة لم يكن رضا.

ثم قالوا على ما حكاه الله سبحانه:"بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون"والجن هم الطائفة الثانية من الطوائف الثلاث التي يعبدهم الوثنيون وهم الملائكة والجن والقديسون من البشر ، والأقدم في استحقاق العبادة عندهم هم الطائفتان الأوليان والطائفة الثالثة ملحقة بهما بعد الكمال وإن كانوا أفضل منهما.

والإضراب في قولهم:"بل كانوا يعبدون الجن"يدل على أن الجن كانوا على رضى من عبادتهم لهم.

وهؤلاء من الجن هم الذين يعدهم الوثنيون مبادىء الشرور في العالم فيعبدونهم اتقاء من شرورهم كما يعبدون الملائكة طمعا في خيراتهم لما أنهم مباد للخيرات لا كما قيل: إن المراد بالجن إبليس وذريته وقبيله ومعنى عبادتهم لهم طاعتهم فيما دعوهم إليه من عبادة الملائكة أو مطلق المعاصي ، ويرده ما وقع في الآية من التعبير بلفظ الإيمان دون الطاعة ولا ما قيل: إنهم كانوا يتمثلون لهم ويخيلون لهم أنهم الملائكة فيعبدونهم ولا ما قيل: إنهم كانوا يدخلون أجواف الأصنام إذا عبدت فيعبدون بعبادتها.

ولعل الوجه في نسبة الإيمان بهم إلى أكثرهم دون جميعهم أن أكثرهم يعبدون الآلهة اتقاء من طروق الشر من قبلهم ، ومبادىء الشر عندهم مطلقا الجن لا كما قيل: إن المراد بالأكثر الكل ، وهو مبني على تفسير العبادة بمعنى الطاعة وقد عرفت ما فيه.

قوله تعالى:"فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون"نوع تفريع على تبري الملائكة منهم وقد بين تبري عامة المتبوعين من تابعيهم والتابعين من متبوعيهم في مواضع كقوله تعالى:"و يوم القيامة يكفرون بشرككم": فاطر: 14 ، وقوله:"ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا": العنكبوت: 25.

ومعنى الآية ظاهر.

قوله تعالى:"و إذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم"إلخ ، خطابهم هذا لعامتهم بعد استماع الآيات تنبيه لهم على الجد في التمسك بدين آبائهم وتحريض لهم عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وفي توصيف الآيات بالبينات نوع عتبى كأنه قيل: إذا تتلى عليهم هذه الآيات وهي بينة لا ريب فيها فبدلا من أن يدعوا عامتهم إلى اتباعها حثوهم على الإصرار على تقليد آبائهم وحرضوهم عليه - وفي إضافة الآباء إلى ضمير"كم"مبالغة في التحريض والإثارة.

وقوله:"و قالوا ما هذا إلا إفك مفترى"معطوف على"قالوا"أي وقالوا مشيرا إلى الآيات البينات إشارة تحقير ليس هذا إلا كلاما مصروفا عن وجهه مكذوبا به على الله ، بدلا من أن يقولوا: إنها آيات بينات نازلة من عند الله تعالى - وقد أشاروا إلى الآيات البينات بهذا دلالة على أنهم لم يفهموا منها إلا أنها شيء ما لا أزيد من ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت