و هاهنا وجه آخر وهو أنهم لغرورهم بما رزقوا به من المال والولد ظنوا أن لهم كرامة على الله سبحانه وهم على كرامتهم عليهم ما داموا ، والمعنى: أنا ذوو كرامة على الله بما أوتينا من كثرة الأموال والأولاد ونحن على كرامتنا فما نحن بمعذبين لو كان هناك عذاب.
فتكون الآية في معنى قوله:"و لئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى": حم السجدة: 50.
قوله تعالى:"قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون"الآية وما يتلوها إلى تمام أربع آيات جواب عن قولهم:"نحن أكثر أموالا"إلخ ، وقد أجيب عنه بوجهين أحدهما أن أمر الرزق من الأموال والأولاد سعة وضيقا بيد الله على ما تستدعيه الحكمة والمصلحة وهيأ من الأسباب لا بمشية الإنسان ولا لكرامة له على الله فربما بسط في رزق مؤمن أو كافر أو عاقل ذي حزم أو أحمق خفيف العقل ، وربما بسط على واحد ثم قدر له.
فلا دلالة في الإتراف على سعادة أو كرامة.
وهذا معنى قوله:"قل إن ربي"نسبه إلى نفسه لأنهم لم يكونوا يرون الله ربا لأنفسهم والرزق من شئون الربوبية"يبسط"أي يوسع"الرزق لمن يشاء"من عباده بحسب الحكمة والمصلحة"و يقدر"أي يضيق"و لكن أكثر الناس لا يعلمون"فينسبونه ما لم يؤتوه إلى الأسباب الظاهرية الاتفاقية ثم إذا أوتوه نسبوه إلى حزمهم وحسن تدبيرهم أنفسهم وكفى به دليلا على الحمق.
قوله تعالى:"و ما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى"إلى آخر الآيتين هذا هو الجواب الثاني عن قولهم:"نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين"ومحصله أن انتفاء العذاب المترتب على القرب من الله لا يترتب على الأموال والأولاد إذ لا توجب الأموال والأولاد قربا وزلفى من الله حتى ينتفي معها العذاب الإلهي فوضع تقريب المال في الآية موضع انتفاء العذاب من قبيل وضع السبب موضع المسبب.
وهذا معنى قوله:"و ما أموالكم ولا أولادكم"التي تعتمدون عليها في السعادة وانتفاء عذاب الله"بالتي"أي بالجماعة التي"تقربكم عندنا زلفى"أي تقريبا.
"إلا من آمن وعمل صالحا"في ماله وولده بأن أنفق من أمواله في سبيل الله وبث الإيمان والعمل الصالح في أولاده بتربية دينية"فأولئك لهم جزاء الضعف"لعله من إضافة الموصوف إلى الصفة أي الجزاء المضاعف من جهة أنهم اهتدوا وهدوا وأيضا من جهة تضعيف الحسنات إلى عشر أضعافها وزيادة"و هم في الغرفات"أي في القباب العالية"آمنون"من العذاب فما هم بمعذبين.
"و الذين يسعون في آياتنا معاجزين"أي يجدون في آياتنا وهم يريدون أن يعجزونا - أو أن يسبقونا - أولئك في العذاب محضرون"وإن كثرت أموالهم وأولادهم."
وفي قوله:"و ما أموالكم ولا أولادكم"إلخ ، انتقال إلى خطاب عامة الناس من الكفار وغيرهم والوجه فيه أن ما ذكره من الحكم حكم الأموال والأولاد سواء في ذلك المؤمن والكافر فالمال والولد إنما يؤثران أثرهما الجميل إذا كان هناك إيمان وعمل صالح فيهما وإلا فلا يزيدان إلا وبالا.
قوله تعالى:"قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين"قال في مجمع البيان ،: يقال: أخلف الله له وعليه إذا أبدل له ما ذهب عنه.
انتهى.
سياق الآية يدل على أن المراد بالإنفاق فيها الإنفاق في وجوه البر والمراد بيان أن هذا النحو من الإنفاق لا يضيع عند الله بل يخلفه ويرزق بدله.
فقوله في صدر الآية:"قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر"للإشارة إلى أن أمر الرزق في سعته وضيقه إلى الله سبحانه لا ينقص بالإنفاق ولا يزيد بالإمساك ثم قال:"و ما أنفقتم من شيء"قليلا كان أو كثيرا وأيا ما كان من المال"فهو يخلفه"ويرزقكم بدله إما في الدنيا وإما في الآخرة"و هو خير الرازقين"فإنه يرزق جودا ورزق غيره معاملة في الحقيقة ومعاوضة ، ولأنه الرازق في الحقيقة وغيره ممن يسمى رازقا واسطة لوصول الرزق.
قوله تعالى:"و يوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أ هؤلاء إياكم كانوا يعبدون"المراد بهم جميعا بشهادة السياق العابدون والمعبودون جميعا.