قوله تعالى:"و قال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه"المراد بالذين كفروا المشركون والمراد بالذي بين يديه الكتب السماوية من التوراة والإنجيل وذلك أن المشركين وهم الوثنيون ليسوا قائلين بالنبوة ويتبعها الكتاب السماوي.
وقول بعضهم: إن المراد بالذي بين يديه هو أمر الآخرة مما لا دليل يساعده ، وقد أكثر القرآن الكريم من التعبير عن التوراة والإنجيل بالذي بين يديه ، ومن الخطإ قول بعضهم: إن المراد بالذين كفروا هم اليهود.
قوله تعالى:"و لو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم"إلخ ، الظاهر أن اللام في"الظالمون"للعهد ، وهذه الآية والآيتان بعدها تشير إلى أن وبال هذا الكفر - وأساسه ضلال أئمة الكفر وإضلالهم تابعيهم - سيلحق بهم وسيندمون عليه ولن ينفعهم الندم.
فقوله:"و لو ترى"خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ هم بمعزل عن فهم الخطاب"إذ الظالمون"وهم الكافرون بكتب الله ورسله ، الذين ظلموا أنفسهم بالكفر"موقوفون عند ربهم"للحساب والجزاء يوم القيامة"يرجع بعضهم إلى بعض القول"أي يتحاورون ويتراجعون في الكلام متخاصمين"يقول الذين استضعفوا"بيان لرجوع بعضهم إلى بعض في القول والمستضعفون الأتباع الذين استضعفتهم المتبوعون"للذين استكبروا"وهم الأئمة القادة"لو لا أنتم لكنا مؤمنين"يريدون أنكم أجبرتمونا على الكفر وحلتم بيننا وبين الإيمان.
"قال الذين استكبروا للذين استضعفوا"جوابا عن قولهم وردا لما اتهموهم به من الإجبار والإكراه"أ نحن صددناكم"الاستفهام للإنكار أي أ نحن صرفناكم"عن الهدى بعد إذ جاءكم"فبلوغه إليكم بالدعوة النبوية أقوى الدليل على أنا لم نحل بينه وبينكم وكنتم مختارين في الإيمان به والكفر"بل كنتم مجرمين"متلبسين بالإجرام مستمرين عليه فأجرمتم بالكفر به لما جاءكم من غير أن نجبركم عليه فكفركم منكم ونحن برآء منه.
"و قال الذين استضعفوا للذين استكبروا"ردا لقولهم ودعواهم البراءة"بل مكر الليل والنهار"أي مكركم بالليل والنهار حملنا على الكفر"إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا"وأمثالا من الآلهة أي أنكم لم تزالوا في الدنيا تمكرون الليل والنهار وتخطون الخطط لتستضعفونا وتتآمروا علينا فتحملونا على طاعتكم فيما تريدون ، فلم نشعر إلا ونحن مضطرون على الائتمار بأمركم إذ تأمروننا بالكفر والشرك.
"و أسروا"وأخفوا"الندامة لما رأوا العذاب"وشاهدوا أن لا مناص ، وإخفاؤهم الندامة يوم القيامة - وهو يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء - نظير كذبهم على الله وإنكارهم الشرك بالله وحلفهم لله كان بين كل ذلك من قبيل ظهور ملكاتهم الرذيلة التي رسخت في نفوسهم فقد كانوا يسرون الندامة في الدنيا خوفا من شماتة الأعداء وكذلك يفعلون يوم القيامة مع ظهور ما أسروا واليوم يوم تبلى السرائر كما يكذبون بمقتضى ملكة الكذب مع ظهور أنهم كاذبون في قولهم.
ثم ذكر سبحانه أخذهم للعذاب فقال:"و جعلنا الأغلال"السلاسل"في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون"فصارت أعمالهم أغلالا في أعناقهم تحبسهم في العذاب.
قوله تعالى:"و ما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون"المترفون اسم مفعول من الإتراف وهو الزيادة في التنعيم ، وفيه إشعار بأن الإتراف يفضي إلى الاستكبار على الحق كما تفيده الآية اللاحقة.
قوله تعالى:"و قالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين"ضمير الجمع للمترفين ، ومن شأن الإتراف والترفه والتقلب في نعم الدنيا أن يتعلق قلب الإنسان بها ويستعظمها فيرى السعادة فيها سواء وافق الحق أم خالفه فلا يذكر إلا ظاهر الحياة وينسى ما وراءه.
ولذا حكى سبحانه عنهم ذلك إذ قالوا:"نحن أكثر أموالا وأولادا"فلا سعادة إلا فيها ولا شقوة معها"و ما نحن بمعذبين"في آخرة ، ولم ينفوا العذاب إلا للغفلة والانصراف عما وراء كثرة الأموال والأولاد فإذ كانت هي السعادة والفلاح فحسب فالعذاب في فقدها ولا عذاب معها.