و البأس شدة القتال وكأن المراد به في الآية شدة وقع السلاح وضمير"و علمناه"لداود كما قال في موضع آخر:"و ألنا له الحديد"والمعنى وعلمنا داود صنعة درعكم - أي علمناه كيف يصنع لكم الدرع لتحرزكم وتمنعكم شدة وقع السلاح وقوله:"فهل أنتم شاكرون"تقرير على الشكر.
قوله تعالى:"و لسليمان الريح عاصفة تجري بأمره"إلخ.
عطف على قوله"مع داود"أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفة أي شديدة الهبوب تجري الريح بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وهي أرض الشام التي كان يأوي إليها سليمان وكنا عالمين بكل شيء.
وذكر تسخير الريح عاصفة مع أن الريح كانت مسخرة له في حالتي شدتها ورخائها كما قال:"رخاء حيث أصاب:" (صلى الله عليه وآله وسلم) - 36 أن تسخير الريح عاصفة أعجب وأدل على القدرة.
قيل: ولشيوع كونه (عليه السلام) ساكنا في تلك الأرض لم يذكر جريانها بأمره منها واقتصر على ذكر جريانها إليها وهو أظهر في الامتنان انتهى ، ويمكن أن يكون المراد جريانها بأمره إليها لتحمله منها إلى حيث أراد لا جريانها إليها لترده إليها وتنزله فيها بعد ما حملته ، وعلى هذا يشمل الكلام الخروج منها والرجوع إليها جميعا.
قوله تعالى:"و من الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين"كان الغوص لاستخراج أمتعة البحر من اللئالي وغيرها ، والمراد بالعمل الذي دون ذلك ما ذكره بقوله:"يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات:"سبأ: 13 ، والمراد بحفظ الشياطين حفظهم في خدمته ومنعهم من أن يهربوا أو يمتنعوا أو يفسدوا عليه الأمر ، والمعنى ظاهر وستجيء قصتا داود وسليمان (عليهما السلام) في سورة سبإ إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى:"و أيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين"الضر بالضم خصوص ما يمس النفس من الضرر كالمرض والهزال ونحوهما وبالفتح أعم.
وقد شملته (عليه السلام) البلية فذهب ماله ومات أولاده وابتلي في بدنه بمرض شديد مدة مديدة ثم دعا الله وشكى إليه حاله فاستجاب الله له ونجاه من مرضه وأعاد عليه ماله وولده ومثلهم معهم وهو قوله في الآية التالية:"فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر"أي نجيناه من مرضه وشفيناه"و آتيناه أهله"أي من مات من أولاده"و مثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين"ليتذكروا ويعلموا أن الله يبتلي أولياءه امتحانا منه لهم ثم يؤتيهم أجرهم ولا يضيع أجر المحسنين.
وستجيء قصة أيوب (عليه السلام) في سورة ص إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى:"و إسماعيل وإدريس وذا الكفل"إلخ.
أما إدريس (عليه السلام) فقد تقدمت قصته في سورة مريم ، وأما إسماعيل فستجيء قصته في سورة الصافات ، وتأتي قصة ذي الكفل في سورة ص إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى:"و ذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه"إلخ.
النون الحوت وذو النون هو يونس النبي ابن متى صاحب الحوت الذي بعث إلى أهل نينوى فدعاهم فلم يؤمنوا فسأل الله أن يعذبهم فلما أشرف عليهم العذاب تابوا وآمنوا فكشفه الله عنهم ففارقهم يونس فابتلاه الله أن ابتلعه حوت فناداه تعالى في بطنه فكشف عنه وأرسله ثانيا إلى قومه.
وقوله:"و ذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه"أي واذكر ذا النون إذ ذهب مغاضبا أي لقومه حيث لم يؤمنوا به فظن أن لن نقدر عليه أي لن نضيق عليه من قدر عليه رزقه أي ضاق كما قيل.
ويمكن أن يكون قوله:"إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه"واردا مورد التمثيل أي كان ذهابه هذا ومفارقة قومه ذهاب من كان مغاضبا لمولاه وهو يظن أن مولاه لن يقدر عليه وهو يفوته بالابتعاد منه فلا يقوى على سياسته وأما كونه (عليه السلام) مغاضبا لربه حقيقة وظنه أن الله لا يقدر عليه جدا فمما يجل ساحة الأنبياء الكرام عن ذلك قطعا وهم معصومون بعصمة الله.
وقوله:"فنادى في الظلمات"إلخ.
فيه إيجاز بالحذف والكلام متفرع عليه والتقدير فابتلاه الله بالحوت فالتقمه فنادى في بطنه ربه ، والظاهر أن المراد بالظلمات كما قيل - ظلمة البحر وظلمة بطن الحوت وظلمة الليل.