و قوله:"أن لا إله إلا أنت سبحانك"تبر منه (عليه السلام) مما كان يمثله ذهابه لوجهه ومفارقته قومه من غير أن يؤمر فإن ذهابه ذلك كان يمثل - وإن لم يكن قاصدا ذلك متعمدا فيه - أن هناك مرجعا يمكن أن يرجع إليه غير ربه فتبرأ من ذلك بقوله لا إله إلا أنت ، وكان يمثل أن من الجائز أن يعترض على فعله فيغاضب منه وأن من الممكن أن يفوته تعالى فائت فيخرج من حيطة قدرته فتبرأ من ذلك بتنزيهه بقوله: سبحانك.
وقوله:"إني كنت من الظالمين"اعتراف بالظلم من حيث إنه أتى بعمل كان يمثل الظلم وإن لم يكن ظلما في نفسه ولا هو (عليه السلام) قصد به الظلم والمعصية غير أن ذلك كان تأديبا منه تعالى وتربية لنبيه ليطأ بساط القرب بقدم مبرأة في مشيتها من تمثيل الظلم فضلا عن نفس الظلم.
قوله تعالى:"فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين"هو (عليه السلام) وإن لم يصرح بشيء من الطلب والدعاء ، وإنما أتى بالتوحيد والتنزيه واعترف بالظلم لكنه أظهر بذلك حاله وأبدى موقفه من ربه وفيه سؤال النجاة والعافية فاستجاب الله له.
ونجاه من الغم وهو الكرب الذي نزل به.
وقوله:"و كذلك ننجي المؤمنين"وعد بالإنجاء لمن ابتلي من المؤمنين بغم ثم نادى ربه بمثل ما نادى به يونس (عليه السلام) وستجيء قصته (عليه السلام) في سورة الصافات إن شاء الله.
قوله تعالى: وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين"معطوف على ما عطف عليه ما قبله أي واذكر زكريا حين نادى ربه يسأل ولدا وقوله:"رب لا تذرني فردا"بيان لندائه ، والمراد بتركه فردا أن يترك ولا ولد له يرثه."
وقوله:"و أنت خير الوارثين"ثناء وتحميد له تعالى بحسب لفظه ونوع تنزيه له بحسب المقام إذ لما قال:"لا تذرني فردا"وهو كناية عن طلب الوارث والله سبحانه هو الذي يرث كل شيء نزهه تعالى عن مشاركة غيره له في معنى الوراثة ورفعه عن مساواة غيره فقال:"و أنت خير الوارثين".
قوله تعالى:"فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه"إلخ.
ظاهر الكلام أن المراد بإصلاح زوجه أي زوج زكريا له جعلها شابة ولودا بعد ما كانت عاقرا كما يصرح به في دعائه"و كانت امرأتي عاقرا:"مريم: 8.
وقوله:"إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين"ظاهر السياق أن ضمير الجمع لبيت زكريا ، وكأنه تعليل لمقدر معلوم من سابق الكلام والتقدير نحو من قولنا: أنعمنا عليهم لأنهم كانوا يسارعون في الخيرات.
والرغب والرهب مصدران كالرغبة والرهبة بمعنى الطمع والخوف وهما تمييزان إن كانا باقيين على معناهما المصدري وحالان إن كانا بمعنى الفاعل والخشوع هو تأثر القلب من مشاهدة العظمة والكبرياء.
والمعنى: أنعمنا عليهم لأنهم كانوا يسارعون في الخيرات من الأعمال ويدعوننا رغبة في رحمتنا أو ثوابنا رهبة من غضبنا أو عقابنا أو يدعوننا راغبين راهبين وكانوا لنا خاشعين بقلوبهم.
وقد تقدمت قصة زكريا ويحيى (عليهما السلام) في أوائل سورة مريم.
قوله تعالى:"و التي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين"المراد بالتي أحصنت فرجها مريم ابنة عمران وفيه مدح لها بالعفة والصيانة ورد لما اتهمها به اليهود.
وقوله:"فنفخنا فيها من روحنا"الضمير لمريم والنفخ فيها من الروح كناية عن عدم استناد ولادة عيسى (عليه السلام) إلى العادة الجارية في كينونة الولد من تصور النطفة أولا ثم نفخ الروح فيها فإذا لم يكن هناك نطفة مصورة لم يبق إلا نفخ الروح فيها وهي الكلمة الإلهية كما قال:"إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون:"آل عمران: 59 أي مثلهما واحد في استغناء خلقهما عن النطفة.
وقوله:"و جعلناها وابنها آية للعالمين"أفرد الآية فعدهما أعني مريم وعيسى (عليهما السلام) معا آية واحدة للعالمين لأن الآية هي الولادة كذلك وهي قائمة بهما معا ومريم أسبق قدما في إقامة هذه الآية ولذا قال تعالى:"و جعلناها وابنها آية"ولم يقل: وجعلنا ابنها وإياها آية.
وكفى لها فخرا أن يدخل ذكرها في ذكر الأنبياء (عليهم السلام) في كلامه تعالى وليست منهم.