فهرس الكتاب

الصفحة 2977 من 4314

فكان الحكم حكما واحدا اختلفا في كيفية إجرائه عملا إذ لو كان الاختلاف في أصل الحكم لكان فرض صدور حكمين منهما بأحد وجهين إما بكون كلا الحكمين حكما واقعيا لله ناسخا أحدهما - وهو حكم سليمان - الآخر وهو حكم داود لقوله تعالى:"ففهمناها سليمان"وإما بكون الحكمين معا عن اجتهاد منهما بمعنى الرأي الظني مع الجهل بالحكم الواقعي وقد صدق تعالى اجتهاد سليمان فكان هو حكمه.

أما الأول وهو كون حكم سليمان ناسخا لحكم داود فلا ينبغي الارتياب في أن ظاهر جمل الآية لا يساعد عليه إذ الناسخ والمنسوخ متباينان ولو كان حكماهما من قبيل النسخ ومتباينين لقيل: وكنا لحكمهما أو لحكميهما ليدل على التعدد والتباين ولم يقل:"و كنا لحكمهم شاهدين"المشعر بوحدة الحكم وكونه تعالى شاهدا له الظاهر في صونهم عن الخطإ ، ولو كان داود حكم في الواقعة بحكم منسوخ لكان على الخطإ ، ولا يناسبه أيضا قوله:"و كلا آتينا حكما وعلما"وهو مشعر بالتأييد ظاهر في المدح.

وأما الثاني وهو كون الحكمين عن اجتهاد منهما مع الجهل بحكم الله الواقعي فهو أبعد من سابقه لأنه تعالى يقول:"ففهمناها سليمان"وهو العلم بحكم الله الواقعي وكيف ينطبق على الرأي الظني بما أنه رأي ظني.

ثم يقول: وكلا آتينا حكما وعلما فيصدق بذلك أن الذي حكم به داود أيضا كان حكما علميا لا ظنيا ولو لم يشمل قوله:"و كلا آتينا حكما وعلما"حكم داود في الواقعة لم يكن وجه لإيراد الجملة في المورد.

على أنك سمعت أن قوله:"و كنا لحكمهم شاهدين"لا يخلو من إشعار بل دلالة على أن الحكم كان واحدا ومصونا عن الخطإ.

فلا يبقى إلا أن يكون حكمهما واحدا في نفسه مختلفا من حيث كيفية الإجراء وكان حكم سليمان أوفق وأرفق.

وقد وردت في روايات الشيعة وأهل السنة ما إجماله أن داود حكم لصاحب الحرث برقاب الغنم وسليمان حكم له بمنافعها في تلك السنة من ضرع وصوف ونتاج.

ولعل الحكم كان هو ضمان ما أفسدته الغنم من الحرث على صاحبها وكان ذلك مساويا لقيمة رقاب الغنم فحكم داود لذلك برقابها لصاحب الحرث ، وحكم سليمان بما هو أرفق منه وهو أن يستوفي ما أتلفت من ماله من منافعها في تلك السنة والمنافع المستوفاة من الغنم كل سنة تعدل قيمتها قيمة الرقبة عادة.

فقوله:"و داود وسليمان"أي واذكر داود وسليمان"إذ"حين "يحكمان في الحرث"إذ"حين "نفشت فيه غنم القوم"أي تفرقت فيه ليلا وأفسدته"و كنا لحكمهم"أي لحكم الأنبياء ، وقيل: الضمير راجع إلى داود وسليمان والمحكوم له ، وقد عرفت ما فيه ، وقيل: الضمير لداود وسليمان لأن الاثنين جمع وهو كما ترى"شاهدين"حاضرين نرى ونسمع ونوقفهم على وجه الصواب فيه"ففهمناها"أي الحكومة والقضية"سليمان وكلا"من داود وسليمان"آتينا حكما وعلما"وربما قيل: إن تقدير صدر الآية"و آتينا داود وسليمان حكما وعلما"إذ يحكمان إلخ."

قوله تعالى:"و سخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين"التسخير هو تذليل الشيء بحيث يكون عمله على ما هو عليه في سبيل مقاصد المسخر - بكسر الخاء - وهذا غير الإجبار والإكراه والقسر فإن الفاعل فيها خارج عن مقتضى اختياره أو طبعه بخلاف الفاعل المسخر - بفتح الخاء - فإنه جار على مقتضى طبعه واختياره كما أن إحراق الإنسان الحطب بالنار فعل تسخيري من النار وليست بمقسورة وكذا فعل الأجير لمؤجره فعل تسخيري من الأجير وليس بمجبر ولا مكره.

ومن هنا يظهر أن معنى تسخير الجبال والطير مع داود يسبحن معه أن لهما تسبيحا في نفسهما وتسخيرهما أن يسبحن مع داود بمواطاة تسبيحه فقوله:"يسبحن"بيان لقوله:"و سخرنا مع داود"وقوله:"و الطير"معطوف على الجبال.

وقوله:"و كنا فاعلين أي كانت أمثال هذه المواهب والعنايات من سنتنا وليس ما أنعمنا به عليهما ببدع منا."

قوله تعالى:"و علمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون"قال في المجمع ،: اللبوس اسم للسلاح كله عند العرب - إلى أن قال - وقيل: هو الدرع انتهى.

وفي المفردات ،: وقوله تعالى:"صنعة لبوس لكم"يعني به الدرع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت