و أما الكتاب فقصور دلالته على ما ذكره أوضح وأجلى بل دلالته على خلاف ما ذكره وتكذيب ما تقوله ظاهرة فإن سورة اقرأ باسم ربك - وهي أول سورة نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما ذكره أهل النقل ، ويشهد به الآيات الخمس التي في صدرها ولم يذكر أحد أنها نزلت قطعات ولا أقل من احتمال نزولها دفعة - مشتملة على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصلي بمرأى من القوم وأنه كان منهم من ينهاه عن الصلاة ويذكر أمره في نادي القوم ولا ندري كيف كانت هذه الصلاة التي كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتقرب بها إلى ربه في بادىء أمره إلا ما تشتمل عليه هذه السورة من أمر السجدة قال تعالى فيها:"أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى أ رأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أ رأيت إن كذب وتولى أ لم يعلم بأن الله يرى كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية:"العلق - 18 ، فالآيات كما ترى ظاهرة في أنه كان هناك من ينهى مصليا عن الصلاة ، ويذكر أمره في النادي ، ولا ينتهي عن فعاله ، وقد كان هذا المصلي هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بدليل قوله تعالى بعد ذلك:"كلا لا تطعه:"العلق - 19.
فقد دلت السورة على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصلي قبل نزول أول سورة من القرآن ، وقد كان على الهدى وربما أمر بالتقوى ، وهذا هو النبوة ولم يسم أمره ذلك إنذارا ، فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) نبيا وكان يصلي ولما ينزل عليه قرآن ولا نزلت بعد عليه سورة الحمد ولما يؤمر بالتبليغ.
وأما سورة الحمد فإنها نزلت بعد ذلك بزمان ، ولو كان نزولها عقيب نزول سورة العلق بلا فصل عن خطور في قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ذكره هذا الباحث لكان حق الكلام أن يقال: قل بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين إلخ ، أو يقال: بسم الله الرحمن الرحيم قل: الحمد لله رب العالمين إلخ ولكان من الواجب أن يختم الكلام في قوله تعالى: مالك يوم الدين ، لخروج بقية الآيات عن الغرض كما هو الأليق ببلاغة القرآن الشريف.
نعم وقع في سورة الحجر - وهي من السور المكية كما تدل عليه مضامين آياتها ، وسيجيء بيانه - قوله تعالى:"و لقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم:"الحجر - 87.
والمراد بالسبع المثاني سورة الحمد وقد قوبل بها القرآن العظيم وفيه تمام التجليل لشأنها والتعظيم لخطرها لكنها لم تعد قرآنا بل سبعا من آيات القرآن وجزءا منه بدليل قوله تعالى:"كتابا متشابها مثاني الآية:"الزمر - 23.
ومع ذلك فاشتمال السورة على ذكر سورة الحمد يدل على سبق نزولها نزول سورة الحجر والسورة مشتملة أيضا على قوله تعالى:"فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزءين الآيات:"الحجر - 95 ، ويدل ذلك على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد كف عن الإنذار مدة ثم أمر به ثانيا بقوله تعالى: فاصدع.
وأما سورة المدثر وما تشتمل عليه من قوله: قم فأنذر: المدثر - 2 ، فإن كانت السورة نازلة بتمامها دفعة كان حال هذه الآية قم فأنذر ، حال قوله تعالى: فاصدع بما تؤمر الآية ، لاشتمال هذه السورة أيضا على قوله تعالى:"ذرني ومن خلقت وحيدا إلى آخر الآيات:"المدثر - 11 ، وهي قريبة المضمون من قوله في سورة الحجر: وأعرض عن المشركين إلخ ، وإن كانت السورة نازلة نجوما فظاهر السياق أن صدرها قد نزل في بدء الرسالة.
وثالثا: أن قوله: إن الروايات الدالة على نزول القرآن في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور جملة واحدة قبل البعثة ثم نزول الآيات نجوما على رسول الله أخبار مجعولة خرافية لمخالفتها الكتاب وعدم استقامة مضمونها ، وأن المراد باللوح المحفوظ هو عالم الطبيعة وبالبيت المعمور كرة الأرض خطأ وفرية.
أما أولا: فلأنه لا شيء من ظاهر الكتاب يخالف هذه الأخبار على ما عرفت.
وأما ثانيا: فلأن الأخبار خالية عن كون النزول الجملي قبل البعثة بل الكلمة مما أضافها هو إلى مضمونها من غير تثبت.