فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 4314

و أما ثالثا: فلأن قوله: إن اللوح المحفوظ هو عالم الطبيعة تفسير شنيع - وأنه أضحوكة - وليت شعري: ما هو الوجه المصحح على قوله - لتسمية عالم الطبيعة في كلامه تعالى لوحا محفوظا؟ أ ذلك لكون هذا العالم محفوظا عن التغير والتحول؟ فهو عالم الحركات ، سيال الذات ، متغير الصفات! أو لكونه محفوظا عن الفساد تكوينا أو تشريعا؟ فالواقع خلافه! أو لكونه محفوظا عن اطلاع غير أهله عليه؟ كما يدل عليه: قوله تعالى: إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون:"الواقعة - 79 ، فإدراك المدركين فيه على السواء!."

وبعد اللتيا والتي: لم يأت هذا الباحث في توجيهه نزول القرآن في شهر رمضان بوجه محصل يقبله لفظ الآية ، فإن حاصل توجيهه: أن معنى: أنزل فيه القرآن: كأنما أنزل فيه القرآن ، ومعنى: إنا أنزلناه في ليلة: كأنا أنزلناه في ليلة ، وهذا شيء لا يحتمله اللغة والعرف لهذا السياق!.

ولو جاز لقائل أن يقول: نزل القرآن ليلة القدر على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لنزول سورة الفاتحة المشتملة على جمل معارف القرآن جاز أن يقال: إن معنى نزول القرآن نزوله جملة واحدة ، أي نزول إجمال معارفه على قلب رسول الله من غير مانع يمنع كما مر بيانه سابقا.

وفي كلامه جهات أخرى من الفساد تركنا البحث عنها لخروجه عن غرضنا في المقام.

قوله تعالى: هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ، الناس ، وهم الطبقة الدانية من الإنسان الذين سطح فهمهم المتوسط أنزل السطوح ، يكثر إطلاق هذه الكلمة في حقهم ، كما قال تعالى:"و لكن أكثر الناس لا يعلمون:"الروم - 30 ، وقال تعالى:"و تلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون:"العنكبوت - 43 ، وهؤلاء أهل التقليد لا يسعهم تمييز الأمور المعنوية بالبينة والبرهان ، ولا فرق الحق من الباطل بالحجة إلا بمبين يبين لهم وهاد يهديهم ، والقرآن هدى لهم ونعم الهدى ، وأما الخاصة المستكملون في ناحيتي العلم والعمل ، المستعدون للاقتباس من أنوار الهداية الإلهية والركون إلى فرقان الحق فالقرآن بينات وشواهد من الهدى والفرقان في حقهم فهو يهديهم إليه ويميز لهم الحق ويبين لهم كيف يميز ، قال تعالى:"يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى صراط مستقيم:"المائدة - 16.

ومن هنا يظهر وجه التقابل بين الهدى والبينات من الهدى ، وهو التقابل بين العام والخاص فالهدى لبعض والبينات من الهدى لبعض آخر.

قوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه ، الشهادة هي الحضور مع تحمل العلم من جهته ، وشهادة الشهر إنما هو ببلوغه والعلم به ، ويكون بالبعض كما يكون بالكل.

وأما كون المراد بشهود الشهر رؤية هلاله وكون الإنسان بالحضر مقابل السفر فلا دليل عليه إلا من طريق الملازمة في بعض الأوقات بحسب القرائن ، ولا قرينة في الآية.

قوله تعالى: ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ، إيراد هذه الجملة في الآية ثانيا ليس من قبيل التكرار للتأكيد ونحوه لما عرفت أن الآيتين السابقتين مع ما تشتملان عليه مسوقتان للتوطئة والتمهيد دون بيان الحكم وأن الحكم هو الذي بين في الآية الثالثة فلا تكرار.

قوله تعالى: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ، كأنه بيان لمجموع حكم الاستثناء: وهو الإفطار في شهر رمضان لمكان نفي العسر ، وصيام عدة من أيام أخر لمكان وجوب إكمال العدة ، واللام في قوله: لتكملوا العدة ، للغاية ، وهو عطف على قوله: يريد ، لكونه مشتملا على معنى الغاية ، والتقدير وإنما أمرناكم بالإفطار والقضاء لنخفف عنكم ولتكملوا العدة ، ولعل إيراد قوله: ولتكملوا العدة هو الموجب لإسقاط معنى قوله: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ، عن هذه الآية مع تفهم حكمه بنفي العسر وذكره في الآية السابقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت