فهرس الكتاب

الصفحة 1993 من 4314

و ثالثا: أن المراد بالتوبة في قوله:"ثم تاب عليهم"في الموضعين رجوعه تعالى إليهم بالهداية إلى الخير والتوفيق فقد ذكرنا مرارا في الأبحاث السابقة أن توبة العبد محفوفة بتوبتين من الرب تعالى ، وأنه يرجع إليه بالتوفيق وإفاضة رحمة الهداية وهو التوبة الأولى منه فيهتدي العبد إلى الاستغفار وهو توبته فيرجع تعالى إليه بقبول توبته وغفران ذنوبه وهو التوبة الثانية منه تعالى.

والدليل على أن المراد بها في الموضعين ذلك أما في الآية الأولى فلأنه لم يذكر منهم فيها ذنبا يستغفرون له حتى تكون توبته عليهم توبة قبول ، وإنما ذكر أنه كان من المتوقع زيغ قلوب بعضهم وهو يناسب التوبة الأولى منه تعالى دون الثانية ، وأما في الآية الثانية فلأنه ذكر بعدها قوله:"ليتوبوا"وهو الاستغفار ، أخذ غاية لتوبته تعالى فتوبته تعالى قبل توبتهم ليست إلا التوبة الأولى منه.

وربما أيد ذلك قوله تعالى في مقام تعليل توبته عليهم:"إنه بهم رءوف رحيم"حيث لم يذكر من أسمائه ما يدل بلفظه على قبول توبتهم كما لم يذكر منهم توبة بمعنى الاستغفار.

ورابعا: أن المراد بقوله في الآية الثانية:"ليتوبوا"توبة الثلاثة الذين خلفوا المترتب على توبته تعالى الأولى عليهم ، فالمعنى ثم تاب الله على الثلاثة ليتوب الثلاثة فيتوب عليهم ويغفر لهم إنه هو التواب الرحيم.

فإن قلت: فالآية لم تدل على قبول توبتهم وهذا مخالف للضرورة الثابتة من جهة النقل أن الآية نزلت في توبتهم.

قلت: القصة ثابتة نقلا غير أنه لا توجد دلالة في لفظ الآية إلا أن الآية تدل بسياقها على ذلك فقد قال تعالى في مقام الإجمال:"لقد تاب الله"وهو أعم بإطلاقه من التوبة بمعنى التوفيق وبمعنى القبول ، وكذا قوله بعد:"إن الله هو التواب الرحيم"وخاصة بالنظر إلى ما في الجملة من سياق الحصر الناظر إلى قوله:"و ظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه"فإذا كانوا أقدموا على التوبة ليأخذوا ملجأ من الله يأمنون فيه وقد هداهم الله إليه بالتوبة فتابوا فمن المحال أن يردهم الله من بابه خائبين وهو التواب الرحيم ، وكيف يستقيم ذلك؟ وهو القائل عز من قائل:"إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم:"النساء: - 17.

وربما قيل: إن معنى"ثم تاب عليهم ليتوبوا"ثم سهل الله عليهم التوبة ليتوبوا.

وهو سخيف.

وأسخف منه قول من قال: إن المراد بالتوبة في"ليتوبوا"الرجوع إلى حالتهم الأولى قبل المعصية.

وأسخف منه قول آخرين: "إن الضمير في"ليتوبوا"راجع إلى المؤمنين والمعنى ثم تاب على الثلاثة وأنزل توبتهم على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليتوب المؤمنون من ذنوبهم لعلمهم بأن الله قابل التوب."

وخامسا: أن الظن يفيد في الآية مفاد العلم لا لدلالة لفظية بل لخصوص المورد.

قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين"الصدق بحسب الأصل مطابقة القول والخبر للخارج ، ويوصف به الإنسان إذا طابق خبره الخارج ثم لما عد كل من الاعتقاد والعزم - الإرادة - قولا توسع في معنى الصدق فعد الإنسان صادقا إذا طابق خبره الخارج وصادقا إذا عمل بما اعتقده وصادقا إذا أتى بما يريده ويعزم عليه على الجد.

وما في الآية من إطلاق الأمر بالتقوى وإطلاق الصادقين وإطلاق الأمر بالكون معهم - والمعية هي المصاحبة في العمل وهو الاتباع - يدل على أن المراد بالصدق هو معناه الوسيع العام دون الخاص.

فالآية تأمر المؤمنين بالتقوى واتباع الصادقين في أقوالهم وأفعالهم وهو غير الأمر بالاتصاف بصفتهم فإنه الكون منهم لا الكون معهم وهو ظاهر.

قوله تعالى:"ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب"إلى آخر الآيتين الرغبة ميل خاص نفساني والرغبة في الشيء الميل إليه لطلب منفعة فيه ، والرغبة عن الشيء الميل عنه بتركه والباء للسببية فقوله:"و لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه"معناه وليس لهم أن يشتغلوا بأنفسهم عن نفسه فيتركوه عند مخاطر المغازي وفي تعب الأسفار ودعثائها ويقعدوا للتمتع من لذائذ الحياة ، والظمأ العطش ، والنصب التعب والمخمصة المجاعة ، والغيظ أشد الغضب ، والموطأ الأرض التي توطأ بالأقدام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت