فهرس الكتاب

الصفحة 1994 من 4314

و الآية تسلب حق التخلف عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أهل المدينة والأعراب الذين حولها ثم تذكر أن الله قابل هذا السلب منهم بأنه يكتب لهم في كل مصيبة تصيبهم في الجهاد من جوع وعطش وتعب وفي كل أرض يطئونها فيغيطون به الكفار أو نيل نالوه منهم عملا صالحا فإنهم محسنون والله لا يضيع أجر المحسنين ، وهذا معنى قوله:"ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ"إلخ.

ثم ذكر أن نفقاتهم صغيرة يسيرة كانت أو كبيرة خطيرة وكذا كل واد قطعوه فإنه مكتوب لهم محفوظ لأجلهم ليجزوا به أحسن الجزاء.

وقوله:"ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون"غاية متعلقه بقوله:"كتب لهم أي غاية هذه الكتابة هي أن يجزيهم بأحسن أعمالهم ، وإنما خص جزاء أحسن الأعمال بالذكر لأن رغبة العامل عاكفة عليه ، أو لأن الجزاء بأحسنها يستلزم الجزاء بغيره ، أو لأن المراد بأحسن الأعمال الجهاد في سبيل الله لكونه أشقها وقيام الدعوة الدينية به."

وهاهنا معنى آخر وهو أن جزاء العمل في الحقيقة إنما هو نفس العمل عائدا إلى الله فأحسن الجزاء هو أحسن العمل فالجزاء بأحسن الأعمال في معنى الجزاء بأحسن الجزاء ومعنى آخر وهو أن يغفر الله سبحانه سيئاتهم المشوبة بأعمالهم الحسنة ويستر جهات نقصها فيكون العمل أحسن بعد ما كان حسنا ثم يجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون فافهم ذلك وربما رجع المعنيان إلى معنى واحد.

قوله تعالى:"و ما كان المؤمنون لينفروا كافة فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين"السياق يدل على أن المراد بقوله:"لينفروا كافة"لينفروا وليخرجوا إلى الجهاد جميعا ، وقوله:"فرقة منهم"الضمير للمؤمنين الذين ليس لهم أن ينفروا كافة ، ولازمه أن يكون النفر إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم.

فالآية تنهى مؤمني سائر البلاد غير مدينة الرسول أن ينفروا إلى الجهاد كافة بل يحضضهم أن ينفر طائفة منهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للتفقه في الدين وينفر إلى الجهاد غيرهم.

والأنسب بهذا المعنى أن يكون الضمير في قوله"رجعوا"للطائفة المتفقهين ، وفي قوله:"إليهم"لقومهم والمراد إذا رجع هؤلاء المتفقهون إلى قومهم ، ويمكن العكس بأن يكون المعنى: إذا رجع قومهم من الجهاد إلى هؤلاء الطائفة بعد تفقههم ورجوعهم إلى أوطانهم.

ومعنى الآية لا يجوز لمؤمني البلاد أن يخرجوا إلى الجهاد جميعا فهلا نفر وخرج إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طائفة من كل فرقة من فرق المؤمنين ليتحققوا الفقه والفهم في الدين فيعملوا به لأنفسهم ولينذروا بنشر معارف الدين وذكر آثار المخالفة لأصوله وفروعه قومهم إذا رجعت هذه الطائفة إليهم لعلهم يحذرون ويتقون.

ومن هنا يظهر أولا: أن المراد بالتفقه تفهم جميع المعارف الدينية من أصول وفروع لا خصوص الأحكام العملية وهو الفقه المصطلح عليه عند المتشرعة ، والدليل عليه قوله:"لينذروا قومهم"فإن ذلك أمر إنما يتم بالتفقه في جميع الدين وهو ظاهر.

وثانيا: أن النفر إلى الجهاد موضوع عن طلبة العلم الديني بدلالة من الآية.

وثالثا: أن سائر المعاني المحتملة التي ذكروها في الآية بعيدة عن السياق كقول بعضهم: إن المراد بقوله:"لينفروا كافة"نفرهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للتفقه ، وقول بعضهم في"فلو لا نفر"أي إلى الجهاد ، والمراد بقوله:"ليتفقهوا"أي الباقون المتخلفون فينذروا قومهم النافرين إلى الجهاد إذا رجعوا إلى أولئك المتخلفين.

فهذه ونظائرها معان بعيدة لا جدوى في التعرض لها والإطناب في البحث عنها.

قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين"أمر بالجهاد العام الذي فيه توسع الإسلام حتى يشيع في الدنيا فإن قتال كل طائفة من المؤمنين من يليهم من الكفار لا ينتهي إلا باتساع الإسلام اتساعا باستقرار سلطنته على الدنيا وإحاطته بالناس جميعا.

والمراد بقوله:"و ليجدوا فيكم غلظة"أي الشدة في ذات الله وليس يعني بها الخشونة والفظاظة وسوء الخلق والقساوة والجفاء فجميع الأصول الدينية تذم ذلك وتستقبحه ، ولحن آيات الجهاد ينهى عن كل تعد واعتداء وجفاء كما مر في سورة البقرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت