و الآيتان وإن كانت كل واحدة منهما ناظرة إلى جهة دون جهة الأخرى فالأولى تبين التوبة على النبي والمهاجرين والأنصار والثانية تبين توبة الثلاثة المخلفين مضافا إلى أن نوع التوبة على أهل الآيتين مختلف فأهل الآية الأولى أو بعضهم تاب الله عليهم من غير معصية منهم وأهل الآية الثانية تيب عليهم وهم عاصون مذنبون.
وبالجملة الآيتان مختلفتان غرضا ومدلولا غير أن السياق يدل على أنهما مسوقتان لغرض واحد ومتصلتان كلاما واحدا تبين فيه توبته تعالى للنبي والمهاجرين والأنصار والثلاثة الذين خلفوا ، ومن الدليل عليه قوله:"لقد تاب الله على النبي إلى أن قال:"و على الثلاثة"إلخ فالآية الثانية غير مستقلة عن الأولى بحسب اللفظ وإن استقلت عنها في المعنى ، وذلك يستدعي نزولهما معا وتعلق غرض خاص بهذا الاتصال والامتزاج."
ولعل الغرض الأصلي بيان توبة الله سبحانه لأولئك الثلاثة المخلفين وقد ضم إليها ذكر توبته تعالى للمهاجرين والأنصار حتى للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لتطيب قلوبهم بخلطهم بغيرهم وزوال تميزهم من سائر الناس وعفو أثر ذلك عنهم حتى يعود الجميع على نعت واحد وهو أن الله تاب عليهم برحمته فهم فيه سواء من غير أن يرتفع بعضهم عن بعض أو ينخفض بعضهم عن بعض.
وبهذا تظهر النكتة في تكرار ذكر التوبة في الآيتين فإن الله سبحانه يبدأ بذكر توبته على النبي والمهاجرين والأنصار ثم يقول:"ثم تاب عليهم"وعلى الثلاثة الذين خلفوا ثم يقول:"ثم تاب عليهم ليتوبوا"فليس إلا أن الكلام مسوق على منهج الإجمال والتفصيل ذكر فيه توبته تعالى على الجميع إجمالا ثم أشير إلى حال كل من الفريقين على حدته فذكرت عند ذلك توبته الخاصة به.
ولو كانت كل واحدة من الآيتين ذات غرض مستقل من غير أن يجمعها غرض جامع لكان ذلك تكرارا من غير نكتة ظاهرة.
على أن في الآية الأولى دلالة واضحة على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن له في ذلك ذنب ولا زيغ ولا كاد أن يزيغ قلبه فإن في الكلام مدحا للمهاجرين والأنصار باتباع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يزغ قلبه ولا كاد أن يزيغ حتى صار متبعا يقتدى به ولو لا ما ذكرناه من الغرض لم يكن لذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) مع سائر المذكورين وجه ظاهر.
فيئول معنى الآية إلى أن الله - أقسم لذلك - تاب ورجع برحمته رجوعا إلى النبي والمهاجرين والأنصار والثلاثة الذين خلفوا فأما توبته ورجوعه بالرحمة على المهاجرين والأنصار فإنهم اتبعوا النبي في ساعة العسرة وزمانها وهو أيام مسيرهم إلى تبوك - اتبعوه من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ويميل عن الحق بترك الخروج أو ترك السير فبعد ما اتبعوه تاب الله عليهم إنه بهم لرءوف رحيم.
وأما الثلاثة الذين خلفوا فإنهم آل أمرهم إلى أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ووسعت - وكان ذلك بسبب أن الناس لم يعاشروهم ولا كلموهم حتى أهلهم فلم يجدوا أنيسا يأنسون به - وضاقت عليهم أنفسهم - من دوام الغم عليهم - وأيقنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه بالتوبة والإنابة فلما كان ذلك كله تاب الله عليهم وانعطف ورجع برحمته إليهم ليتوبوا إليه فيقبل توبتهم أنه هو التواب - كثير الرجوع إلى عباده يرجع إليهم بالهداية والتوفيق للتوبة إليه ثم بقبول تلك التوبة - والرحيم بالمؤمنين.
وقد تبين بذلك كله أولا: أن المراد بالتوبة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) محض الرجوع إليه بالرحمة ، ومن الرجوع إليه بالرحمة ، الرجوع إلى أمته بالرحمة فالتوبة عليهم توبة عليه فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) الواسطة في نزول الخيرات والبركات إلى أمته.
وأيضا فإن من فضله تعالى على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن: كلما ذكر أمته أو الذين معه بخير أفرده من بينهم وصدر الكلام بذكره تشريفا له كما في قوله:"آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون:"البقرة: - 285 وقوله:"ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين:"التوبة"- 26 ، وقوله:"لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا:"التوبة - 88 إلى غير ذلك من الموارد."
وثانيا: أن المراد بما ذكر ثانيا وثالثا من التوبة بقوله:"ثم تاب عليهم"في الموضعين هو تفصيل ما ذكره إجمالا بقوله:"لقد تاب الله".