فهرس الكتاب

الصفحة 1804 من 4314

على أن قوله تعالى بعد الآيتين:"و ما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام"الآية لا يلائم نفي العذاب في هاتين الآيتين فإن ظاهر الآية أن العذاب المهدد به هو عذاب القتل بأيدي المؤمنين كما يدل عليه قوله بعده:"فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون"وحينئذ فلو كان القائلون:"اللهم إن كان هذا هو الحق"الآية مشركي قريش أو بعضهم وكان المراد من العذاب المنفي العذاب السماوي لم يستقم إنكار وقوع العذاب عليهم بالقتل ونحوه فإن الكلام حينئذ يئول إلى معنى التشديد: ومحصله: أنهم كانوا أحق بالعذاب ولهم جرم آخر وراء ما أجرموه وهو الصد عن المسجد الحرام ، وهذا النوع من الترقي أنسب بإثبات العذاب لهم لا لنفيه عنهم.

وإن كان المراد بالعذاب المنفي هو القتل ونحوه كان عدم الملاءمة بين قوله:"و ما لهم ألا يعذبهم الله"وقوله:"فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون"وبين قوله:"و ما كان الله ليعذبهم"إلخ ، أوضح وأظهر.

وربما وجه الآية بهذا المعنى بعضهم بأن المراد بقوله:"و ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم"عذاب أهل مكة قبل الهجرة ، وبقوله:"و ما كان الله معذبهم وهم يستغفرون"عذاب الناس كافة بعد هجرته (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة وإيمان جمع واستغفارهم ولذا قيل: إن صدر الآية نزلت قبل الهجرة ، وذيلها بعد الهجرة!.

وهو ظاهر الفساد فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما كان فيهم بمكة قبل الهجرة كان معه جمع ممن يؤمن بالله ويستغفره ، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد الهجرة كان في الناس فما معنى تخصيص صدر الآية بقوله:"و أنت فيهم"وذيلها بقوله:"و هم يستغفرون".

ولو فرض أن معنى الآية أن الله لا يعذب هذه الأمة ما دمت فيهم ببركة وجودك ، ولا يعذبهم بعدك ببركة استغفارهم لله والمراد بالعذاب عذاب الاستئصال لم يلائم الآيتين التاليتين:"و ما لهم ألا يعذبهم الله"إلخ مع ما تقدم من الإشكال عليه.

فقد ظهر من جميع ما تقدم - على طوله - أن الآيتين أعني قوله:"و إذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة"إلى آخر الآيتين لا تشاركان الآيات السابقة واللاحقة المسرودة في الكلام على كفار قريش في سياقها الواحد فهما لم تنزلا معها.

والأقرب أن يكون ما حكي فيهما من قولهم والجواب عنه بقوله:"و ما كان الله ليعذبهم"غير مرتبط بهم وإنما صدر هذا القول من بعض أهل الكتاب أو بعض من آمن ثم ارتد من الناس.

ويتأيد بذلك بعض ما ورد أن القائل بهذا القول الحارث بن النعمان الفهري ، وقد تقدم الحديث نقلا عن تفسيري الثعلبي والمجمع في ذيل قوله تعالى:"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك"الآية: المائدة: - 67 في الجزء السادس من الكتاب.

وعلى هذا التقدير فالمراد بالعذاب المنفي العذاب السماوي المستعقب للاستئصال الشامل للأمة على نهج عذاب سائر الأمم ، والله سبحانه ينفي فيها العذاب عن الأمة ما دام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم حيا ، وبعده ما داموا يستغفرون الله تعالى.

ويظهر من قوله تعالى:"و ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون"بضمه إلى الآيات التي توعد هذه الأمة بالعذاب الذي يقضي بين الرسول وبينهم كآيات سورة يونس:"و لكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون": يونس: - 47 إلى آخر الآيات أن في مستقبل أمر هذه الأمة يوما ينقطع عنهم الاستغفار ويرتفع من بينهم المؤمن الإلهي فيعذبون عند ذاك.

قوله تعالى:"و ما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه"إلى آخر الآية استفهام في معنى الإنكار أو التعجب ، وقوله:"و ما لهم"بتقدير فعل يتعلق به الظرف ويكون قوله:"ألا يعذبهم"مفعوله أو هو من التضمين نظير ما قيل في قوله:"هل لك إلى أن تزكى:"النازعات: - 18.

والتقدير على أي حال نحو من قولنا:"و ما الذي يثبت ويحق لهم عدم تعذيب الله إياهم والحال أنهم يصدون عن المسجد الحرام ويمنعون المؤمنين من دخوله وما كانوا أولياءه".

فقوله:"و هم يصدون"إلخ حال عن ضمير"يعذبهم"وقوله:"و ما كانوا أولياءه"حال عن ضمير"يصدون".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت