فهرس الكتاب

الصفحة 1805 من 4314

و قوله:"إن أولياؤه إلا المتقون"تعليل لقوله:"و ما كانوا أولياءه"أي ليس لهم أن يلوا أمر البيت فيجيزوا ويمنعوا من شاءوا لأن هذا المسجد مبني على تقوى الله فلا يلي أمره إلا المتقون وليسوا بهم.

فقوله:"إن أولياؤه إلا المتقون"جملة خبرية تعلل القول بأمر بين يدركه كل ذي لب ، وليست الجملة إنشائية مشتملة على جعل الولاية للمتقين ، ويشهد لما ذكرناه قوله بعد:"و لكن أكثرهم لا يعلمون"كما لا يخفى.

والمراد بالعذاب العذاب بالقتل أو الأعم منه على ما يفيده السياق باتصال الآية بالآية التالية ، وقد تقدم أن الآية غير متصلة ظاهرا بما تقدمها أي أن الآيتين:"و إذ قالوا اللهم"إلخ"و ما كان الله ليعذبهم"إلخ خارجتان عن سياق الآيات ، ولازم ذلك ما ذكرناه.

قال في المجمع ،: ويسأل فيقال: كيف يجمع بين الآيتين وفي الأولى نفي تعذيبهم ، وفي الثانية إثبات ذلك؟ وجوابه على ثلاثة أوجه: أحدها: أن المراد بالأول عذاب الاصطلام والاستئصال كما فعل بالأمم الماضية ، وبالثاني عذاب القتل بالسيف والأسر وغير ذلك بعد خروج المؤمنين من بينهم.

والآخر: أنه أراد: وما لهم أن لا يعذبهم الله في الآخرة ، ويريد بالأول عذاب الدنيا.

عن الجبائي.

والثالث: أن الأول استدعاء للاستغفار.

يريد أنه لا يعذبهم بعذاب دنيا ولا آخرة إذا استغفروا وتابوا فإذا لم يفعلوا عذبوا ثم بين أن استحقاقهم العذاب بصدهم عن المسجد الحرام.

انتهى.

وفيه: أن مبنى الإشكال على اتصال الآية بما قبلها وقد تقدم أنها غير متصلة.

هذا إجمالا.

وأما تفصيلا فيرد على الوجه الأول: أن سياق الآية وهو كما تقدم سياق التشدد والترقي ، ولا يلائم ذلك نفي العذاب في الأولى مع إثباته في الثانية وإن كان العذاب غير العذاب.

وعلى الثاني أن سياق الآية ينافي كون المراد بالعذاب فيها عذاب الآخرة ، وخاصة بالنظر إلى قوله في الآية الثالثة - وهي في سياق الآية الأولى -"فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون".

وعلى الثالث: أن ذلك خلاف ظاهر الآية بلا شك حيث إن ظاهرها إثبات الاستغفار لهم حالا مستمرا لاستدعائه وهو ظاهر.

قوله تعالى:"و ما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون"المكاء بضم الميم الصفير ، والمكاء بصيغة المبالغة طائر بالحجاز شديد الصفير ، ومنه المثل السائر: بنيك حمري ومكئكيني.

والتصدية التصفيق بضرب اليد على اليد.

وقوله:"و ما كان صلاتهم"الضمير لهؤلاء الصادين المذكورين في الآية السابقة وهم المشركون من قريش ، وقوله:"فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون"بيان إنجاز العذاب الموعد لهم بقرينة التفريع بالفاء.

ومن هنا يتأيد أن الآيتين متصلتان كلاما واحدا وقوله:"و ما كان"إلخ جملة حالية والمعنى: وما لهم أن لا يعذبهم الله والحال أنهم يصدون العباد من المؤمنين عن المسجد الحرام وما كان صلاتهم عند البيت إلا ملعبة من المكاء والتصدية فإذا كان كذلك فليذوقوا العذاب بما كانوا يكفرون ، والالتفات في قوله:"فذوقوا العذاب"عن الغيبة إلى الخطاب لبلوغ التشديد.

ويستفاد من الآيتين أن الكعبة المشرفة لو تركت بالصد استعقب ذلك المؤاخذة الإلهية بالعذاب قال علي (عليه السلام) في بعض وصاياه:"الله الله في بيت ربكم فإنه إن ترك لم تنظروا".

قوله تعالى:"إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله"إلى آخر الآية يبين حال الكفار في ضلال سعيهم الذي يسعونه لإبطال دعوة الله والمنع عن سلوك السالكين لسبيل الله ، ويشرح ذلك قوله:"فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون"إلخ.

وبهذا السياق يظهر أن قوله:"و الذين كفروا إلى جهنم يحشرون"بمنزلة التعليل ، ومحصل المعنى أن الكفر سيبعثهم - بحسب سنة الله في الأسباب - إلى أن يسعوا في إبطال الدعوة والصد عن سبيل الحق غير أن الظلم والفسق وكل فساد لا يهدي إلى الفلاح والنجاح فسينفقون أموالهم في سبيل هذه الأغراض الفاسدة فتضيع الأموال في هذا الطريق فيكون ضيعتها موجبة لتحسرهم ، ثم يغلبون فلا ينتفعون بها ، وذلك أن الكفار يحشرون إلى جهنم ويكون ما يأتون به في الدنيا من التجمع على الشر والخروج إلى محاربة الله ورسوله بحذاء خروجهم محشورين إلى جهنم يوم القيامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت