و لو كان المراد بالمعذبين جميع العرب أو الأمة ، والمراد بقوله:"و أنت فيهم"حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والمعنى: ولا يعذب الله هذه الأمة وأنت فيهم حيا كما ربما يؤيده قوله بعده:"و ما كان الله معذبهم وهم يستغفرون"كان ذلك نفيا للعذاب عن جميع الأمة ولم يناف نزوله على بعضهم كما سمي وقوع القتل بهم عذابا كما في الآيات السابقة ، وكما ورد أن الله تعالى عذب جمعا منهم كأبي لهب والمستهزءين برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعلى هذا لا تشمل الآية القائلين:"اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك"إلى آخر الآية وخاصة باعتبار ما روي أن القائل به أبو جهل كما في صحيح البخاري أو النضر بن الحارث بن كلدة كما في بعض روايات أخر وقد حقت عليهما كلمة العذاب وقتلا يوم بدر فلا ترتبط الآية:"و ما كان الله ليعذبهم"الآية ، بهؤلاء القائلين: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية مع أنها مسوقة سوق الجواب عن قولهم.
ويشتد الإشكال بناء على ما وقع في بعض أسباب النزول أنهم قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فنزل قوله تعالى:"سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع"وسيجيء الكلام فيه وفي غيره من أسباب النزول المروية في البحث الروائي التالي إن شاء الله.
والذي تمحل به بعض المفسرين في توجيه مضمون الآية بناء على حملها على ما مر من المعنى أن الله سبحانه أرسل محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) رحمة للعالمين ونعمة لهذه الأمة لا نقمة وعذابا.
فيه أنه ليس مقتضى الرحمة للعالمين أن يهمل مصلحة الدين ، ويسكت عن مظالم الظالمين وإن بلغ ما بلغ وأدي إلى شقاء الصالحين واختلال نظام الدنيا والدين ، وقد حكى الله سبحانه عن نفسه بقوله:"و رحمتي وسعت كل شيء"و لم يمنع ذلك من حلول غضبه على من حل به من الأمم الماضية والقرون الخالية كما ذكره في كلامه.
على أنه تعالى سمى ما وقع على كفار قريش من القتل والهلاك في بدر وغيره عذابا ولم يناف ذلك قوله:"و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين:"الأنبياء: - 107 ، وهدد هذه الأمة بعذاب واقع قطعي في سور يونس والإسراء والأنبياء والقصص والروم والمعارج وغيرها ولم يناف ذلك كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) رحمة للعالمين فما بال نزول العذاب على شرذمة تفوهت بهذه الكلمة:"اللهم إن كان هذا هو الحق"إلخ ، ينافي قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نبي الرحمة مع أن من مقتضى الرحمة أن يوفى لكل ذي حق حقه ، وأن يقتص للمظلوم من الظالم وأن يؤخذ كل طاغية بطغيانه.
وأما قوله تعالى:"و ما كان الله معذبهم وهم يستغفرون"فظاهره النفي الاستقبالي على ما هو ظاهر الصفة:"معذبهم"وكون قوله:"يستغفرون"مسوقا لإفادة الاستمرار والجملة حالية ، والمعنى: ولا يستقبلهم الله بالعذاب ما داموا يستغفرونه.
والآية كيفما أخذت لا تنطبق على حال مشركي مكة وهم مشركون معاندون لا يخضعون لحق ولا يستغفرون عن مظلمة ولا جريمة ، ولا يصلح الأمر بما ورد في بعض الآثار أنهم قالوا ما قالوا ثم ندموا على ما قالوا فاستغفروا الله بقولهم:"غفرانك اللهم".
وذلك - مضافا إلى عدم ثبوته - أنه تعالى لا يعبأ في كلامه باستغفار المشركين ولا سيما أئمة الكفر منهم ، واللاغي من الاستغفار لا أثر له ، ولو لم يكن استغفارهم لاغيا وارتفع به ما أجرموه بقولهم: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء الآية لم يكن وجه لذمهم وتأنيبهم بقوله تعالى:"و إذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق"في سياق هذه الآيات المسوقة لذمهم ولومهم وعد جرائمهم ومظالمهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين.