فهرس الكتاب

الصفحة 1705 من 4314

على أن كلامه سبحانه يعطي أن العذاب إنما حقيقته فقدان الرحمة ، والنقمة عدم بذل النعمة ، ولا يتحقق ذلك إلا لعدم استعداد المعذب بواسطة الكفران والذنب لإفاضة النعمة عليه وشمول الرحمة له ، فسبب العذاب في الحقيقة عدم وجود سبب الرحمة.

وأما سعة الرحمة وإفاضة النعمة فمن المعلوم أنه من مقتضيات الألوهية ولوازم صفة الربوبية فما من موجود مخلوق إلا ووجوده نعمة لنفسه ولكثير ممن دونه لارتباط أجزاء الخلقة ، وكل ما عنده من خير أو شر نعمة إما لنفسه ولغيره كالقوة والثروة وغيرهما التي يستفيد منها الإنسان وغيره ، وإما لغيره إذا كان نقمة بالنسبة إليه كالعاهات والآفات والبلايا يستضر بها شيء وينتفع أشياء وعلى هذا فالرحمة الإلهية واسعة كل شيء فعلا لا شأنا ، ولا يختص بمؤمن ولا كافر ولا ذي شعور ولا غيره ولا دنيا ولا آخرة ، والمشيئة لازمة لها.

نعم تحقق العذاب والنقمة في بعض الموارد - وهو معنى قياسي - يوجب أن يتحقق هناك رحمة تقابلها وتقاس إليها فإن حرمان البعض من النعمة التي أنعم الله بها على بعض آخر إذا كان عذابا كان ما يجده البعض الآخر رحمة تقابل هذا العذاب ، وكذا نزول ما يتألم به ويؤذى على بعض كالعقوبات الدنيوية والأخروية إذا كان عذابا كان الأمن والسلامة التي يجدها البعض الآخر رحمة بالنسبة إليه وتقابله ، وإن كانت الرحمة المطلقة بالمعنى الذي تقدم بيانه يشملهما جميعا.

فهناك رحمة إلهية عامة يتنعم بها المؤمن والكافر والبر والفاجر وذو الشعور وغير ذي الشعور فيوجدون بها ويرزقون بها في أول وجودهم ثم في مسيرة الوجود ما داموا سالكين سبيل البقاء ، ورحمة إلهية خاصة وهي العطية الهنيئة التي يجود بها الله سبحانه في مقابل الإيمان والعبودية ، وتختص لا محالة بالمؤمنين الصالحين من عباده من حياة طيبة نورانية في الدنيا ، وجنة ورضوان في الآخرة ولا نصيب فيها للكافرين والمجرمين ، ويقابل الرحمة الخاصة عذاب وهو اللاملائم الذي يصيب الكافرين والمجرمين من جهة كفرهم وجرمهم في الدنيا كعذاب الاستئصال والمعيشة الضنك وفي الآخرة من النار وآلامها ، ولا يقابل الرحمة العامة شيء من العذاب إذ كل ما يصدق عليه اسم شيء فهو من مصاديق الرحمة العامة لنفسه أو لغيره ، وكونه رحمة هي المقصودة في الخلقة ، وليس وراء الشيء شيء.

إذا تحقق هذا تبين أن قوله تعالى:"عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء"بيان لخصوص العذاب وعموم الرحمة ، وإنما قابل بين العذاب والرحمة العامة مع عدم تقابلهما لأن ذكر الرحمة العامة توطئة وتمهيد لما سيذكره من صيرورتها رحمة خاصة في حق المتقين من المؤمنين.

وقد اتضح بما تقدم أن سعة الرحمة ليست سعة شأنية وأن قوله:"و رحمتي وسعت كل شيء"ليس مقيدا بالمشيئة المقدرة بل من لوازم سعة الرحمة الفعلية كما تقدم ، وذلك لأن الظاهر من الآية أن المراد بالرحمة الرحمة العامة وهي تسع كل شيء بالفعل وقد شاء الله ذلك فلزمتها فلا محل لتقدير"إن شئت"خلافا لظاهر كلام جمع من المفسرين.

قوله تعالى:"فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون"تفريع على قوله:"عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي"الآية أي لازم وجوب إصابة العذاب بعض الناس وسعة الرحمة لكل شيء أن أوجب الرحمة على البعض الباقي ، وهم الذين يتقون ويؤتون الزكاة الآية.

وقد ذكر سبحانه الذين تنالهم الرحمة بأوصاف عامة وهي التقوى وإيتاء الزكاة والإيمان بآيات الله من غير أن يقيدهم بما يخص قومه كقولنا: للذين يتقون منكم ونحو ذلك لأن ذلك مقتضى عموم البيان في قوله:"عذابي أصيب به من أشاء"الآية والبيان العام ينتج نتيجة عامة.

وإذا قوبلت مسألة موسى بالآية كانت الآية بمنزلة المقيدة لها فإنه (عليه السلام) سأل الحسنة والرحمة لقومه ثم عللها بقوله:"إنا هدنا إليك"فكان معنى ذلك مسألة الرحمة لكل من هاد ورجع منهم بأن يكتب الله حسنة الدنيا والآخرة لمجرد هودهم وعودهم إليه فكان فيما أجابه الله به أنه سيكتب رحمته للذين آمنوا واتقوا فكأنه قال: اكتب رحمتك لمن هاد إليك منا ، فأجابه الله أن سأكتب رحمتي لمن هاد واتقى وآمن بآياتي فكان في ذلك تقييد لمسألته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت