فهرس الكتاب

الصفحة 1706 من 4314

و لا ضير في ذلك فإنه سبحانه هو الهادي لأنبيائه ورسله المعلم لهم يعلم كليمه أن يقيد مسألته بالتقوى وهو الورع عن محارمه وبالإيمان بآياته وهو التسليم لأنبيائه وللأحكام النازلة إليهم ، ولا يطلق الهود وهو الرجوع إلى الله بالإيمان به ، فهذا تصرف في دعاء موسى بتقييده كما تصرف تعالى في دعاء إبراهيم بالتقييد في قوله:"قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين": البقرة: 124 ، وبالتعميم والإطلاق في قوله فيما يحكي من دعائه لأهل مكة:"و ارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير": البقرة: 126 ، فقد تبين أولا أن الآية تتضمن استجابته تعالى لدعاء موسى:"و اكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة"بتقييد ما له فمن العجيب ما ذكره بعضهم: أن الآية بسياقها تدل على أن الله سبحانه رد دعوة موسى ولم يستجبها ، وكذا قول بعضهم: إن موسى (عليه السلام) دعا لقومه فاستجابه الله في حق أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بناء على بيانية قوله:"الذين يتبعون الرسول"الآية لقوله:"للذين يتقون"الآية وسيجيء.

وثانيا: أنه تعالى استجاب ما اشتمل عليه الفصل الأول من دعائه فإنه تعالى لم يرده ، وحاشا أن يحكي الله في كلامه دعاء لاغيا غير مستجاب ، وقوله:"فسأكتبها للذين"الآية فإنه يحاذي ما سأله (عليه السلام) من الحسنة المستمرة الباقية في الدنيا والآخرة لقومه ، وأما طلب المغفرة لذنب دفعي صدر عنهم بقولهم:"أرنا الله جهرة"فلا يحاذيه قوله:"فسأكتبها"الآية بوجه ، فسكوته تعالى عن رد دعوته دليل إجابتها كما في سائر الموارد التي تشابهه في القرآن.

ويلوح إلى استجابة دعوته لهم بالمغفرة قوله في القصة في موضع آخر:"ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون": البقرة: 56 فمن البعيد المستبعد أن يحييهم الله بعد إهلاكهم ولم يغفر لهم ذنبهم الذي أهلكوا به وعلى أي حال معنى الآية:"فسأكتبها"أي سأكتب رحمتي وأقضيها وأوجبها استعيرت الكتابة للإيجاب لأن الكتابة أثبت وأحكم"للذين يتقون"ويجتنبون المعاصي وترك الواجبات"و يؤتون الزكاة"وهي الحق المالي أو مطلق الإنفاق في سبيل الله الذي ينمو به المال ، ويصلح به مفاسد الاجتماع ، ويتم به نواقصه ، وربما قيل: إن المراد بها زكاة النفس وطهارتها ، وإيتاء الزكاة إصلاح أخلاق النفس.

وليس بشيء.

"و الذين هم بآياتنا يؤمنون"أي يسلمون لما جاءتهم من عند الله من الآيات والعلامات سواء كانت آيات معجزة كمعجزات موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وعليهم ، أو أحكاما سماوية كشرائع موسى وأوامره وشرائع غيره من الأنبياء ، أو الأنبياء أنفسهم أو علامات صدق الأنبياء كعلائم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) التي ذكرها الله تعالى لهم في كتاب موسى وعيسى (عليهما السلام) فكل ذلك آيات له تعالى يجب عليهم وعلى غيرهم أن يؤمنوا بها ويسلموا لها ، ولا يكذبوا بها.

وفي الآية التفات من سياق التكلم مع الغير إلى الغيبة فإنه قال أولا:"و اختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا".

ثم قال:"قال عذابي أصيب به"الآية وكان النكتة فيه إظهار ما له سبحانه من العناية الخاصة باستجابة دعاء الداعين من عباده فيقبل عليهم هو تعالى من غير أن يشاركه فيه غيره ولو بالتوسط فإن التكلم بلفظ المتكلم مع الغير لإظهار العظمة لمكان أن العظماء يتكلمون عنهم وعن أتباعهم فإذا أريد إظهار عناية خاصة بالمخاطب أو بالخطاب تكلم بلفظ المتكلم وحده.

وعلى هذا جرى كلامه تعالى فاختار سياق المتكلم وحده المناسب لمعنى المناجاة والمسارة فيما حكى من أدعية أنبيائه وأوليائه واستجابته لهم في كلامه كأدعية نوح وإبراهيم ودعاء موسى ليلة الطور ، وأدعية سائر الصالحين واستجابته لهم ، ولم يعدل عن سياق المتكلم وحده إلا لنكتة زائدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت