فهرس الكتاب

الصفحة 1704 من 4314

قوله تعالى:"قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي - إلى قوله - من تشاء"يريد (عليه السلام) بذلك أن يسأل ربه أن يحييهم خوفا من أن يتهمه بنو إسرائيل فيخرجوا به عن الدين ، ويبطل بذلك دعوته من أصلها فهذا هو الذي يبتغيه غير أن المقام والحال يمنعانه من ذلك فها هو (عليه السلام) واقع أمام معصية موبقة من قومه صرعتهم وغضب إلهي شديد أحاط بهم حتى أهلكهم.

ولذلك أخذ يمهد الكلام رويدا ويسترحم ربه بجمل من الثناء حتى يهيج الرحمة على الغضب ، ويثير الحنان والرأفة الإلهية ثم يتخلص إلى مسألته وذكر حاجته في جو خال من موانع الإجابة.

"قال"مبتدئا باسم الربوبية المهيجة للرحمة"رب لو شئت أهلكتهم من قبل"فالأمر إلى مشيتك ، ولو أهلكتهم من قبل"و إياي"لم يتجه من قومي إلي تهمة في هلاكهم ، ثم ذكر أنه ليس من شأن رحمته وسنة ربوبيته أن يؤاخذ قوما بفعل سفهائهم فقال في صورة الاستفهام تأدبا:"أ تهلكنا بما فعل السفهاء منا"؟ ثم أكد القول بقوله:"إن هي إلا فتنتك"وامتحانك"تضل بها"أي بالفتنة"من تشاء وتهدي من تشاء"أي إن هذا المورد أحد موارد امتحانك وابتلائك العام الذي تبتلي به عبادك وتجريه عليهم ليضل من ضل ويهتدي من اهتدى ، وليس من سنتك أن تهلك كل من افتتن بفتنتك فانحرف عن سوي صراطك.

وبالجملة أنت الذي سبقت رحمتك غضبك ليس من دأبك أن تستعجل المسيئين من عبادك بالعقوبة أو تعاقبهم بما فعل سفهاؤهم ، وأنت الذي أرسلتني إلى قومي ووعدتني أن تنصرني في نجاح دعوتي ، وهلاك هؤلاء المصعوقين يجلب علي التهمة من قومي.

قوله تعالى:"أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين"شروع منه (عليه السلام) في الدعاء بعد ما قدمه من الثناء ، وبدأه بقوله:"أنت ولينا"وختمه بقوله:"و أنت خير الغافرين"ليقع ما يسأله بين صفتي ولاية الله الخاصة به ، ومغفرته التي هي خير مغفرة ثم سأل حاجته بقوله:"فاغفر لنا وارحمنا"لأنه خير حاجة يرتضي الله من عباده أن يسألوها عنه ، ولم يصرح بخصوص حاجته التي بعثته إلى الدعاء ، وهي إحياء السبعين الذين أهلكهم الله تذللا واستحياء.

وحاجته هذه مندرجة في قوله:"فاغفر لنا وارحمنا"لا محالة فإن الله سبحانه يذكر في آية سورة البقرة أنه بعثهم بعد موتهم ، ولم يكن ليحييهم بعد ما أهلكهم إلا بشفاعة موسى (عليه السلام) ولم يذكر من دعائه المرتبط بحالهم إلا هذا الدعاء فهو إنما سأله ذلك تلويحا بقوله"فاغفر لنا"إلخ كما تقدم لا تصريحا.

قوله تعالى:"و اكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك"أي رجعنا إليك من هاد يهود إذا رجع ، وهو أعني قوله:"إنا هدنا إليك"تعليل لهذا الفصل من الدعاء سأل فيه أن يكتب الله أي يقضي لهم بحسنة في الدنيا وحسنة في الآخرة والمراد بالحسنة لا محالة الحياة والعيشة الحسنة فإن الرجوع إلى الله أي سلوك طريقته والتزام سبيل فطرته يهدي الإنسان إلى حياة طيبة وعيشة حسنة في الدنيا والآخرة جميعا ، وهذا هو الوجه فيما ذكرنا أن قوله:"إنا هدنا إليك"تعليل لهذا الفصل من دعائه فإن الحياة الطيبة من آثار الرجوع إلى الله ، وهي شيء من شأنه أن يرزقوه - لو رزقوا - في مستقبل أمرهم ، وهو المناسب للكتابة والقضاء ، وأما الفصل الأول من الدعاء أعني قوله:"فاغفر لنا وارحمنا"إلخ فتكفي في تعليله الجمل السابقة عليه ، وما احتف به من قوله:"أنت ولينا"وقوله:"و أنت خير الغافرين"ولا يتعلق بقوله:"إنا هدنا إليك"فافهم ذلك.

قوله تعالى:"قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء"هذا جواب منه سبحانه لموسى ، وفيه محاذاة لما قدمه موسى قبل مسألته من قوله:"رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي"، وقد قيد الله سبحانه إصابة عذابه بقوله:"من أشاء"دون سعة رحمته لأن العذاب إنما ينشأ من اقتضاء من قبل المعذبين لا من قبله سبحانه ، قال تعالى:"ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم": النساء: 147 وقال:"لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد": إبراهيم: 7 فلا يعذب الله سبحانه باقتضاء من ربوبيته ولو كان كذلك لعذب كل أحد بل إنما يعذب بعض من تعلقت به مشيته فلا تتعلق مشيته إلا بعذاب من كفروا نعمه فالعذاب إنما هو باقتضاء من قبل المعذبين لكفرهم لا من قبله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت